الصفحة 588 من 666

هذا ما سجله المؤرخون عن عائلة عبد الرحمن بن عوف، وكما بارك الله له في المال والتجارة، بارك له في الولد ذكورا وإناثا.

ولكن لم يكن أحد من أولاده مثله في فضائله وسجاياه، ولم يستطع أحدهم أن يملأ الفراغ الذي خلفه بموته، فقد كان رجلا في أمة، وأمة في رجل، وكان نسيج وحده.

8 -مجمل مزاياه:

لقد كان عبد الرحمن مثال المسلم الحق في فهمه للإسلام، فقد كان لا يعرف من بين عبيده (1) في أوقات الجد والعمل والعبادة، يعمل كما يعملون في أكثر جدية منهم، ويتعبد كما يتعبدون في أكثر ورعة وإيمانا منهم، ولكنه كان في أوقات الراحة وبين أهله وفي المناسبات يلبس البزد أو المحلة تساوي خمسمائة درهم أو أربعمائة درهم (2) ، وهو يومئذ مبلغ ضخم، فقد كانت الشاة بنصف درهم.

وقد ارتحل عن هذه الحياة قبل الفتنة، فغبطه على رحيله علي بن أبي طالب الذي قال يوم مات عبد الرحمن: «اذهب ابن عوف! فقد أدركت صفوها، وسبقت رنقها» (3) ، كما غبطه عمرو بن العاص الذي شمع يوم مات عبد الرحمن يقول: «أذهب عنك ابن عوف، فقد ذهبت ببطنيك ما تغضغض منها من شيء (4) ، فعصمه الله من الفتنة ومن معاناتها.

لقد كان أمينا نزيها، ماله ليس ماله، بل يبذل للفقراء والمساكين ما وسعه البذل، عالمة في أمور الدين، عالما في أمور الدنيا، ورعة أشد الورع تقيا أعظم التقوى، متواضعة غاية التواضع، عاقلا متزنة حصيفة،

(1) الرياض النضرة (2/ 383)

(2) طبقات ابن سعد (131/ 3) .

(3) الرنق: تراب في الماء من القذى ونحوه، والماء الكدر.

(4) طبقات ابن سعد (3/ 130 - 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت