الصفحة 284 من 408

لقد كان العرب قديمة على معرفة غير قليلة بالهند وأحوالها عن طريق تجارهم الذين نزلوا بهذه البلاد في غربها، فاختلطوا بأهلها ولقوا في الغالب

حفاوة وعناية من حكامها، ليعودوا إلى بلادهم في كل مرة، فيدهشوا الناس بما يروونه لهم عن ثراء الهنود الطائل ومالهم من غرائب العادات والمعتقدات، ويبهروا أنظارهم بما يعرضونه عليهم من لآلئ الهند ونفيس معادنها ومنسوجاتها وعطورها وثمارها ثم سيوفها التي اشتهرت بها.

كذلك وقف العرب القدماء على جانب من حضارة الهند وأخبارها وما فيها من علوم وآداب وفنون عن طريق المدارس العلمية في أرض الرافدين مهد الحضارات القديمة ومجمعها، التي كانت على اتصال وثيق بالهند ترد إليها بضائعها ويفد إليها علماؤها، وقد تخرج على أيدي الهنود بمدرسة (جنديسابور) الساسانية الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب قبل الإسلام، الذي قام على علاج الناس بفارس، وطب بعض سراتها، فأعطاه مالا وجارية هي مية أم زياد بن أبي سفيان (1) .

وحين ظهر الإسلام، ودخل العرب في دين الله أفواجا، كان منهم هؤلاء التجار والبحارة العرب من الحضارمة وأهل (عمان) والبحرين وغيرهم، فحملوا معهم دينهم الجديد إلى البلاد التي كانوا يتعاملون معها. وكان من الطبيعي أن يتحدث هؤلاء العرب المسلمون في حماسة وإيمان عن دينهم الجديد، وعن الرسول الذي ظهر في بلادهم بدعو الناس إلى التوحيد والإخاء والمساواة والعدل والمعاملة الحسنة بين الناس جميعا وإلى المثل العليا، وكانت الهند تئن حينئ من التفرقة ونظام الطبقات القاسي الذي تقوم عليه ديانتهم، فكان حديث التوحيد والمساواة نغمة جديدة بحلو لهم أن يسمعوها، وأن يقارنوا بينها وبين ما هم فيه، فوجد الإسلام في الهند أرض

(1) ضحى الإسلام (299/ 1) وانظر كتاب: تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم (1/ 54 - 55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت