الصفحة 290 من 408

وأضيف سبب آخر لامتناع عمر عن ركوب البحر، هو أن الفتح الإسلامي توسع في أيامه توسعة عظيمة، فكان هذا التوسع بالمقارنة بقوات المسلمين التي حملت أعباء الفتح يعتبر مجازفة كبيرة، لأن قوات المسلمين كانت قليلة جدا بالنسبة للبلاد المفتوحة، فكان عمر يحرض ألا يزج بقوات المسلمين في فتح جديد ويحرص على كبح جماح الفاتحيين في البر، فمن الأولى أن بحرص على كبح جماح الفاتحين في البحر. وبخاصة وأن المسلمين حينذاك لم يكونوا على استعداد مضمون لخوض غمار الحروب البحرية، إذ لم يكن للدولة أسطول بحري، وكان الذين يركبون البحر يعتمدون سفن التجارة، وليس في ذلك ضمان لسلامة الفاتحين ولا لسلامة الفتح والمحافظة عليه.

ولما ولي عثمان بن عفان رضي الله عنه، ووتي عبد الله بن عامر بن گريز (1) العراق، كتب إليه بأمره أن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره، فوجه حکيم بن جبلة العبدي (2) ، فلما رجع أوفده إلى عثمان، فسأله عن حال البلاد، فقال: «يا أمير المؤمنين: قد عرفتها وتنزها» ، قال: فصفها لي»، قال: «ماؤها وشل، وثمرها دقل (3) ، ولضها بطل. إن قل الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعواه، فقال له عثمان: أخابر أو ساجع؟!» ، فقال: ابل خابرة، فلم يغزها أحد (4)

ويبدو أن حكيم بن جبلة نزل أحد الموانئ البحرية التي تعتمد في حياتها على التجارة لا على الزراعة، فعمم بتقريره ولم يخصص، وكان الأولى به أن يرتاد مناطق واسعة من الهند، ليؤدي واجبه كما ينبغي أولا، ويكون تقريره عن مهمته متكاملا وسليمة.

(1) انظر سيرته المفصلة في هذا الكتاب.

(2) انظر سيرته في أسد الغابة في معرفة الصحابة (39/ 2. 4) .

(3) الوشل: القليل. والدقل: اردا التمر.

(4) البلاذري (107)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت