1 -أن يبتغي في حديثه رضا الله تعالى، وهذا سبيل النجاة:
وفي قصَّة كعب بن مالك ما يشهد لهذا؛ حيث قال رضي الله عنه:"فلمَّا بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلًا [1] من تبوك، حضرني بثِّي [2] ، فطفقتُ [3] أتذكَّر الكذبَ، وأقول: بِمَ أخرجُ من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك كلَّ ذِي رأيٍ من أهلي، فلما قيل لي: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلَّ قادمًا، زاح عنِّي الباطل، حتى عرفتُ أنِّي لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعتُ صدقَة، وصَبَّحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قَدِم من سفرٍ بدَأ بالمسجد، فركَع فيه ركعتين، ثمَّ جلس للنَّاس، فلمَّا فعل ذلك جاءه المخلَّفون فطفقوا يعتذرون إليه - وكانوا بضعة وثمانين رجلًا - فقَبِل منهم رسولُ الله علانيتَهم وبايَعَهم واستغفَر لهم، ووَكَل سرائرَهم إلى الله، حتى جئتُ، فلمَّا سلمتُ تبَسَّمَ تَبَسُّمَ المغضَب، ثمَّ قال: (( تعالَ ) )، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: (( ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرَك [4] ؟ ) )، قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي والله لو جلستُ عند غيرك مِن أهل الدنيا لرأيت أنِّي سأخرجُ من سخطه بعذرٍ، ولقد أُعطيتُ جدلًا، ولكنِّي والله لقد علمتُ لئن حدَّثْتُك اليومَ حديثَ كذبٍ ترضى به عنِّي، ليُوشكنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديثَ صدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه [5] إنِّي لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذرٌ، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلَّفْتُ عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أمَّا هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضيَ الله فيك ) )..."الحديث؛ (رواه البخاري ومسلم) .
الشاهد من الحديث هو قول كعب بن مالك رضي الله عنه:"ولقد أُعطيتُ جدلًا، ولكنِّي والله لقد علمتُ لئن حدَّثْتُك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عنِّي، ليُوشكنَّ الله أن يُسْخِطَكَ عليَّ، ولئن حدَّثْتُك حديثَ صدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله ..."، وقد كان، فقد تاب الله عليه، فأنزل فيه وفي صاحبَيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة؛ فقال تعالى: ... ثُمَّ تَابَ
(1) قافلًا: راجعًا.
(2) البث: الحزن، والمعنى: أني حزنتُ.
(3) طفقتُ: بدأت.
(4) ابتعت ظهرك: اشتريت دابةً للحرب.
(5) تَجِدُ عليَّ فيه: أي تغضب عليَّ بسببه.