المبحث الأول
نظرة الإسلام للبيئة
الإسلام عقيدة وشريعة، يغرس في النفوس عقيدة سامية، أساسها تقوى الله وابتغاء مرضاته، حتى إذا أينعت وآتت أكلها جاء دور التشريع القائم على الوحي الإلهي والاجتهاد المقيد باستلهام روحه، ورعاية مقاصده، ثم يأتي دور التنفيذ ممن شرع لهم فيكون بناء على وازع من أنفسهم لإيمانهم بعدالة التشريع، وأن الجزاء الأخروي أعظم من الجزاء الدنيوي: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [1] .
وانطلاقًا من هذه النظرة الشمولية، سوف نقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
نتناول في المطلب الأول مظاهر ربط عناصر البيئة بالعقيدة الإسلامية.
أما المطلب الثاني فنستعرض فيه مقاصد الشريعة في المحافظة على البيئة.
ونخصص المطلب الثالث لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة برعاية البيئة.
المطلب الأول
ربط عناصر البيئة بالعقيدة الإسلامية
المتأمل في آيات القرآن الكريم يلحظ بوضوح وجود وحدة شاملة تضم عناصر الكون: السموات والأرض والإنسان، ويكتشف بيسر الغاية من خلق الكون: معرفة الله تعالى وعبادته وحده.
فلنبدأ منذ الأزل: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) } [2] . أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ
(1) سورة النساء: 65.
(2) سورة فصلت: 9 - 12.