الصفحة 16 من 21

لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] ، وفي مثل وصف أقرب الناس إليه حين نزول الوحي عليه، حيث قالت له السيدة خديجة:"إنك لتصِلُ الرَّحِم، وتصدُقُ الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"؛ (صحيح البخاري) - لولا ذلك، لَمَا نجحت دعوته، ولَمَا أقبل الناس عليه، أو كما قال الله تعالى، ومن هنا وجدنا الإمام أبا حنيفة، لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، إذا سمع اللغو أعرض عنه، يجهر بالحق حين يصمت أولو النهى، يتكسب من عمله؛ ليحافظ على كرامته، تظهر آثار النعمة عليه في ملبَسِه وعطره وأناقته، يتخذ الوقار رداءً له، فلا يتكلم إلا جوابًا، يقاوم طغيان الأمير في زمن الأمويين، والخليفة في زمن العباسيين، ويصبر على التعذيب من كليهما، يصارع أهل التعصُّب للتقاليد والمذهبية، يجالس الصالحين أصحاب القلوب الرقيقة، وينفِرُ من المتكلمين أصحاب الأفئدة الغليظة، كما عبر عنهم، يلازم القرآن وقيام الليل، يحسن إلى المكروبين، لا يرد سؤال السائلين، يتحاشى الشبهات، ويلزم الورع، يشفع لجار سكير أخذته الشرطة، فيتوب الرجل عن شرب الخمر، ويجتهد في طلب العلم حتى صار من العلماء، يشتري الخبز يوميًّا يوزعه على جيرانه وعلى كل من يختلف إلى بابه، وكان يقول:"ما ملكت أكثر من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلا أخرجته، ولولا أني أخاف أن ألجأ إلى هؤلاء، ما تركت منها درهمًا واحدًا"، رفض مقولة الكذب المباح.

هذه الأخلاق المستقاة من سيرة خير الدعاة جعلت أثره في العامة أفضل من أي خطيب، وقد مر في الفصل السابق بيان لما تميز به من صفات كانت من أسباب ثقة الناس فيه وحبهم له.

أما الجانب الآخر من دعوته، فقد اختار مجال التدريس لطلاب العلم، وإكرامهم ورعايتهم، فتكونت على يده مدرسة الفقه التي وصفها الإمام الشافعي:"بأن كل الناس عيال على فقه أبي حنيفة"؛ ذلك أنه كان يترك لتلاميذه الحرية في نقده، وتخطئته أحيانًا، ويظل يتناقش معهم بالساعات الطوال، ويتدارس معهم مسائل الفقه بالمعقول والمنقول.

ولقد كان في ذلك بعيد النظر، مستشرفًا للمستقبل الذي جدت فيه أحداث ووقائع لم يكن ممكنًا أن يستوعبها الفكر التقليدي لدى المتزمتين في عصره، الذين تعجز ملكاتهم عن الفهم الواعي للنصوص، والذين اتهموه بأنه يقدم الرأي على النص، وكذبوا؛ فقد كان ثقة في الحديث، وعالِمًا بالجرح والتعديل، ولم يرد إلا الحديث الشاذ، بل كان يقدم الحديث الضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت