على رأيه، ويكفيه أنه كان من التابعين؛ فقد اتفق المؤرخون على أنه رأى أنس بن مالك بالكوفة، بل ذهب ابن حجر إلى أنه رأى أربعة من الصحابة غير أنس، هم: عبدالله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وعبيدالله بن أنيس، وعمرو بن حريث، كما يكفيه موقفه من علم الكلام وتفضيله لِما كان عليه المتقدمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بهذا المنهج وبتلك الثقافة وبهذه العقلية المتحررة، ناظر أعلام الفقهاء في عصره، وربى تلامذته، على أن العمل المستقيم لا بد أن ينبني على فكر مستقيم، وعلم مقرر ثابت، وأن المعلم يجب ألا يكون فيه تردد في مسائل العقيدة والإيمان، أما ما يتعلق بالعمل فيكتفى في إثباته بالأدلة الظنية، وفي مثل هذا لا يجزم الشخص ببطلان قول مخالفه، بل يرجح قول نفسه، ويقول: إنه صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.
بل كان ينصح تلاميذه بدرر غالية، مثل قوله لتلميذه يوسف بن خالد البستي:"متى أحسنت عِشرة قوم ليسوا لك بأقرباء، صاروا لك أمهات وآباء، أنزل كل رجل منزلة، وأكرم أهل الشرف، وعظِّم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطِف الأحداثَ، وتقرَّب من العامة، واصحَب الأخيار، ولا تخادن خسيسًا ولا وضيعًا، وابذُلْ طعامك؛ فإنه ما ساد بخيل قط، وأحسن إلى من يحسن إليك ومن يسيء، وتغافل عما لا يعنيك، وأفشِ السلام، ولو على قوم لئام، وأعطِ كل من يختلف إليك نوعًا من العلم ينظرون فيه."
والمودة تستديم مواظبة العلم، وارضَ لهم ما رضوا لأنفسهم، وقدم إليهم حسن النية، واطرح الكِبْر"."
هكذا كان ينصح تلاميذه، بما صار له خلقًا ومنهجًا، وكان له معوانًا على تبوئه مركز الإمامة.
ومن كلماته التوجيهية والدعوية لتلاميذه ما يأتي:
1 -من تكلم في شيء من العلم ونقده وهو يظن أن الله تعالى لا يسأله عنه: كيف أفتيت في ديني؟ فقد سهلت عليه نفسه ودينه.
2 -من طلب الرياسة في غير حينه، لم يزل في ذل ما بقي.
3 -أقبل على متفقهيك كأنك اتخذت كل واحد منهم ابنًا وولدًا؛ لتزيدهم رغبة في العلم.
4 -اعلم أن العمل تبع للعلم كما أن الأعضاء تبع للبصر، والعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير، ومثل ذلك الزاد القليل الذي لا بد منه في المفازة مع الهداية أنفع من