نبوغ وتوفيق فإن أثره سيكون في سامعيه فقط، أما من ربى الدعاة فإن مساحة التأثير ستتسع بانتشار هؤلاء الدعاة يحملون فكر الإمام، وهو في كل نصائحه يتوخى ما كان عليه سلفه الصالح، وأولهم صاحب الخُلق العظيم صلى الله عليه وسلم.
وباختيار الإمام لمدعويه ولطريقة دعوتهم، سواء كانوا من العامة أو من طلاب العلم، نراه قد استوفى الجانبين النظري والعملي مع الطلاب، واكتفى بالعملي مع العامة.
وهذا من توفيق الله وعونه، جزاء إخلاصه وعبادته، وجهاده وأخلاقه.
وكان من تلاميذه من تسنم عرش العلم والفتيا والقضاء، وكان منهم من تنسك وزهد وتورع عن قبول الرياسة؛ فمنهم عبدالله بن المبارك، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني - وهما صاحباه وناقلا مذهبه - ومنهم زفر بن الهذيل الذي تولى الحلقة بعده، والقاسم بن معن حفيد عبدالله بن مسعود، وكان من أقرانه الذين تركوا حلقاتهم وأبوا إلا أن يحضروا حلقته متلقين: إسماعيل بن شيخه حماد بن سليمان، وأبو بكر النهشلي، وأبو بردة الضبي، ومسعر بن كدام، والحسن بن عمارة، والوليد بن أبان، وأسد بن عمرو البجلي، والفضيل بن عياض، ووكيع بن الجراح شيخ الشافعي، وحفص بن غياث، ويحيى بن زكريا، والمغيرة بن حمزة.
لقد أربت حلقته على أربعين طالبًا، صاروا جميعًا أئمة أعلامًا، تواصل بهم فقه الشريعة الغراء، ويكفي أن نعلم أن تلميذه محمد بن الحسن الشيباني هو الذي دوَّن وألَّف، ورحل إلى المدينة، فروى الموطأ عن الإمام مالك، وتتلمذ عليه الإمام الشافعي، وتتلمذ الإمام أحمد على الشافعي، أما أبو يوسف فتولى القضاء للخلفاء الثلاثة: المهدي، والهادي، والرشيد الذي عينه قاضي القضاة، وألف له كتاب الخراج.
وفاته:
سطر الإمام أبو حنيفة في أيامه الأخيرة حروفًا من نور لا يمحوها الزمن؛ فقد اتفق المؤرخون على أن المنصور طلبه للقضاء، فامتنع؛ تطبيقًا لمذهبه في عدم القرب من السلطان، وخشية من الوقوع في الظلم بتأثير المجاملات أو النفاق، وحلف المنصور ليفعلن؛ فهو الأجدر بهذا المنصب، فحلف أبو حنيفة ألا يفعل، فأمر بسجنه وضيق عليه، فلم يهتم، فأمر بضربه كل يوم عشرة أسواط، فلم يؤثر عليه ذلك، وما حزن إلا لحزن أمه، واستمر على موقفه إلى أن صعدت روحه الزكية سنة 150 هـ، وخرجت المدينة عن بكرة أبيها في جنازته، حتى إنهم أعادوا الصلاة عليه