الصفحة 19 من 21

أحد؟! قال: هو فضلُ الله يؤتيه من يشاء، عفا الله عمن قال فينا مكروهًا، تفقَّهوا في دين الله، وذرُوا الناس وما اختاروا لأنفسهم.

4 -من شدة حرصه على التطهر في الجسد والثوب والمكان، خالف سفيان الثوري في جواز الوضوء بماء توضأ به الغير، وطبق أتباعه ذلك عمليًّا؛ فاتخذوا للوضوء حياضًا ذات صنابير تمنع استعمال الغير لهذا الماءِ غيرِ المطهِّر عند أبي حنيفة؛ فنُسبت إليهم هذه الصنابير وسميت بالحنفيات، فالحنفية التي نستعملها الآن صباح مساء تذكرنا بهذه الحلقة المباركة لأبي حنيفة وطلابه.

5 -كان صبورًا معهم لدرجة إرهاق جسده من السهر: خرج ذات ليلة من المسجد بعد صلاة العِشاء، فسأله تلميذه (زفر) في مسألة، فتجاريا يتقايسان حتى نودي لصلاة الفجر وهما قائمان أمام المسجد، فرجعا إلى صلاة الفجر، ثم رجعا إلى المسألة حتى استقرت على قول أبي حنيفة.

6 -كان حين يشكل عليه مسألة يقول: ما هذا إلا لذنبٍ جنيته، فيستغفر الله، ويتوضأ، ويصلي ركعتين، فيمن الله عليه بحل المشكلة.

7 -اقتحم الخوارج المسجد وأبو حنيفة وأصحابه جلوس، فقال لأصحابه: لا تبرحوا مكانكم، فجاء إليهم الخوارج يريدون الفتك بهم، فقالوا: ما أنتم؟ فرد أبو حنيفة عليهم: نحن مستجيرون، قال أميرهم: دعوهم، وأبلغوهم مأمنهم، واقرؤوا عليهم القرآن، فسلمت المدرسة من الإبادة بسرعة بديهته.

8 -يدخل عليه غلام فيسأله مسألة، فيجيب عنها أبو حنيفة، فيقول الغلام له: أخطأتَ، ويعرض عليه مسألة أخرى، فيقول له: أخطأت، فيتأذى بعض الحاضرين من جرأة الغلام على أبي حنيفة، فيقول له الشيخ: دعهم؛ فإني قد عودتهم هذا من نفسي.

هكذا يتضح من هذه المواقف رفضه للخوض في علم الكلام والخلاف الذي لا يؤدي إلا إلى العداوة وضياع الوقت والجهد فيما لا يفيد، وكأني به ينصحنا الآن بذلك بعد أن فشا في شبابنا هذا الداء الوبيل، ورفضه للغِيبة حتى فيمن يغتابه، وصبره على طلابه، ولو نسبوا إليه الخطأ، ولو أسهروه الليل كله؛ فقد كان يوقن أن كل ذلك جهاد في سبيل الله، كما رأينا سرعة بديهته وإدراكه لمعتقدات الخوارج، واستخدام الحيلة في نجاته ومن معه.

إن من يُعنَى بتربية الدعاة والقضاة وأهل العلم يكون قد ربى بهم أمة، فمهما بلغ الداعية من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت