الصفحة 4 من 29

الحمد لله الذي خلق فسوّى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

صلى عليه الله ما جنَّ الدُّجى *** وما جَرَتْ في فَلَكٍ شمسُ الضحى

أما بعد، لو أردنا أن نصف العصر الذي نعيشه بكلمة واحدة، لقلنا هو: عصر الصبر، فكلّ إنسان يعيش فيه يحتاج إلى الصبر، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الغني والفقير، العازب والمتزوج، الموظف والمدير، الداعية والعالم، الحاكم والمحكوم ... إلخ الجميع يحتاج إلى الصبر، من كان وأين كان، في ميادين العلم والعبادة أو في ميادين الجهاد والدعوة، أو في ميادين العطاء والتضحية، أو في ميادين الحياة والكفاح.

الجميع يحتاجون إلى الصبر، في كل الميادين، ذلك الخلق المهمّ في الحياة عامة، والأهمّ في حياتنا هذه خاصة، ذلك أنّ كثيرًا من أحداث وحوادث هذا العصر تقعد بهمّة الإنسان عن السير إلى الأمام؛ غلاء أسعار، وكثرة أمراض، وشيوع الموت الذي يذهب بالأحباب، وانتشار الحروب وتوالي الأزمات .. إلخ، وجميعها تدفع الإنسان إلى الجزع والسخط والتشكي، ومن ثم تضيق النّفس، وتقلق الروح، ويشيع اليأس، وتسودّ الحياة في عيون أصحابها.

إنّ الصبر سلاح المؤمن في هذه الأحوال كلّها، فحين يبتلى الإنسان في بدنه، أو ماله، أو أهله، أو مجتمعه، يحتاج لا شك إلى صبر ومعاناة.

فالحمد لله الذي جعلنا مؤمنين، وجعل الصبر خلقًا إيمانيًّا نؤجر على التمسك به، بل جعله من تمام توحيد العبد ربه وذلك بأن يصبر على العمل بطاعته، ويصبر على البعد عن معصيته، ويصبر على أقداره؛ كل ذلك تقربًا إليه سبحانه، ورجاء لثوابه، وخوفًا من عقابه.

إنّ الصبر يعين المسلم على السير إلى الأمام في طريق نفع دينه ووطنه، وذلك بعد التأمل في ثوابه، والتبصر في عاقبته، والائتساء بالقدوات والنماذج العظيمة، فبالصبر يطمئن قلب العبد وتسكن روحه، ويقوى إيمانه ويزداد يقينه، ولذلك كان الصبر أحد أهمّ الأخلاق التي أرشد الله إليها ورسوله، وورد في الكتاب والسنة فضل أهله وثوابهم، وما لهم في الآخرة من الأجر الجزيل والثواب العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت