الصفحة 12 من 30

الآية 32، والآية 33، والآية 34: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ، فـ {قَالَ} لهم: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ} : يعني إنّ اللهَ وحده هو الذي يأتيكم بالعذاب إذا شاء ذلك، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي: واعلموا أنكم لن تُعجِزوا اللهَ تعالى إذا أرادَ أن يُعَذِّبكم، {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ} يعني: وإنّ نصيحتي لكم لن تَنفعكم شيئًا، مَهما أرَدْتُ ذلك واجتهدتُ فيهِ {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} أي يُبقِيكم في الضلال بسبب عِنادكم وتكَبُّرِكم عن الانقياد للحق، {هُوَ رَبُّكُمْ} : أي هو مالِكُكُم {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في الآخرة للحساب والجزاء (وحِكمَتُهُ سبحانه تَقتضي أن يَرحم الصالحين ويُعَذب الظالمين) .

الآية 35: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} - هذه الجُملة يُحتمَل أنها تتحدث عن نوح عليه السلام (كما كانَ السِيَاقُ في قصته مع قومه) ، فيكون المعنى: بل يقول هؤلاء المشركونَ مِن قوم نوح: (لقد افترى نوحٌ هذا القول مِن عند نفسه، وزعم أنه مِن عند الله) ، فقال اللهُ له: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} : يعني إنْ كنتُ قد افتريتُ ذلك على الله: فعليَّ وحدي إثمُ ذلك، وإذا كنتُ صادقًًا: فأنتم المُجرمون الآثِمون {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} يعني: وأنا بريءٌ مِن كُفركم وتكذيبكم وإجرامكم.

?ويُحتمَل أنها تتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ تكون هذه الآية مُعترضة في أثناء قصة نوح وقومه، لأنّ هذه القصص لا يَعلمها إلا الأنبياء (وذلك لِبُعد تاريخها) ، فلما قصَّها اللهُ على رسوله - وكانت من الآيات الدالة على صِدقه - ذَكَرَ تعالى تكذيبَ قومه له، فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي اختلق هذا القرآن مِن عند نفسه، (وهذا مِن أعْجَب الأقوال وأبْطَلها، فإنهم يَعلمون أنه لم يَقرأ ولم يَكتب، ولم يَرحل عنهم ليَدرس على أهل الكتاب) .

?فلمَّا جاءهم صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب، تَحَدَّاهم بأن يأتوا بسورةٍ مِن مِثله فلم يستطيعوا، فإذا زعموا بعد ذلك أنه افتراه، عُلِمَ أنهم مُعانِدون، ولم يَبقَ فائدة في جدالهم، بل اللائق في هذه الحال: (الإعراض عنهم) ، ولهذا قال تعالى له: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ} كما زعمتم {فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي ذنبي وكذبي، {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} ، إذ لا فائدة مِن جدالكم.

?وفي هذا دليل على جَواز الاعتراض أثناء الكلام إذا حَسُنَ مَوقعه (كإقامة حُجَّة، أو إبطال باطل، أو تنبيه على أمْرٍ مُهِمّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت