وفاته:
بعد أن شرق وغرب الإمام الزركشي في البلاد، ناشرا للعلم بين العباد مزكيا له في كل محفل وناد، نادته المنية فأجاب، بعد أن ترك بين الخلق علما غزيرا، وخيرا كثيرا، وقد كان ذلك سنة أربع وتسعين وسبعمائة، في ثالث رجب [1] .
وقد أثنى عليه العلماء كثيرا، نظرا لمكانته السامقة، ومنزلته الشاهقة، في العلوم الشرعية، وقوة نظره في التقرير والتحرير.
يعتبر كتاب البحر المحيط للإمام الزركشي من أهم ما كتب في أصول الفقه، حتى احتذى حذوه كثير ممن أتى بعده مما يبين مكانته السامية بين أصول الفقه، ومن هؤلاء الذين ركبوا في سفينته من أجل بيان مسائل أصول الفقه الإمام الشوكاني في كتابه الإرشاد، فإنه في أغلب المسائل قد نحا منحاه، ولم يخالفه لا في منطوقه ولا في فحواه، وكل باعث على تقديم هذا الكتاب على ما سواه.
وقد عرض الزركشي لمسائل أصول الفقه عرضا متماشيا مع الطريقة الموسومة بطريقة المتكلمين، وهي طريقة تتخذ القواعد منطلقا لها في تقرير الأحكام، على عكس طريقة الفقهاء التي تتخذ الأحكام منطلقا لها.
وقد بين المؤلف أن الأصول كانت مستقرة في الأذهان، غير بادية في العيان، حتى جاء الإمام الشافعي، فأظهر من ذلك ما خفا، فشفا بتقريره العقول من الانزلاق وراء الاستدلالات التي لم تستند إلى تلك الأصول.
وإلى بيان ذلك يشير الزركشي في مطلع كتابه بقوله:"وكان علم أصول الفقه جواده الذي لا يلحق، وحبله المتين الذي هو أقوى وأوثق، فإنه قاعدة الشرع، وأصل يرد إليه كل فرع. وقد أشار المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في جوامع كلمه إليه، ونبه أرباب اللسان عليه، فصدر في الصدر الأول منه جملة سنية، ورموز خفية، حتى جاء الإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله"
(1) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.