الصفحة 176 من 200

اعلم رحمك الله أنك إذا نظرت إلى هذا العالم العلوي والسفلي وما أودع فيه من المخلوقات المتنوعة، والحوادث المتجددة، فتأمل تأملاً صحيحاً أن الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة:

1 -إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها من غير محدث ولا خالق فهذا محال ممتنع يجزم العقل ببطلانه ضرورة، ويعلم يقيناً أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل، لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث.

2 -وإما أن تكون هي المحدثة لنفسها الخالقة لها، فهذا أيضاً محال ممتنع بضرورة العقل، كل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه، وإذا بطل هذان القسمان عقلاً وفطرة تعين القسم الثالث.

3 -وهو أن هذه المخلوقات والحوادث لها خالق خلقها ومحدث أحدثها وهو الرب العظيم الخالق لكل شيء، المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها، ولهذا نبه الله على هذا التقسيم العقلي الواضح لكل عقل: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} سورة الطور آية 35، 36، فالمخلوق لابد له من خالق، والأثر لابد له من مؤثر، والمحدث لابد له من محدث، والموجد لابد له من موجد، والمصنوع لابد له من صانع، والمفعول لابد له من فاعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت