كما يوحيه معنى الظرفية وإنما الطائر على الغصن وفوقه. فالحرف"في"هنا قد أدت غير معناه الأصلي وهو معنى"الفوقية"أو"الاستعلائية"وهو المعنى الذي تختص به الحرف"على"، لذلك تعد تأديتها هذا المعنى تأدية مجازية. [1]
2.مذهب الكوفيين
على عكس ما ذهب إليه البصريون يزعم الكوفيون أن التناوب قياسي بحجة أن الحرف بصفته كلمة كسائر الكلمات الاسمية والفعلية يؤدي عدة معان حقيقية لغوية كانت أم عرفية، ومن ثم قصر حرف الجر على معنى حقيقي واحد وإخراجه مما يدخل فيه غيره من المعنى تعسف غير داع. [2]
هم يرون أن تأدية الحرف معنى غيره ليست مجازية لأن التأدية إذا شاعت دلالاتها واشتهر استخدامها لدرجة يفهمها السامع بغير غموض فهي حقيقية، فالمجاز لا مكان له إلا إذا لم يبتدر المعنى إلى ذهن السامع.
وهذا المذهب الأخير هو الذي يكتفي به كثير من المحققين لأنه عمل سهل بغير إساءة لغوية وبعيد عن الالتجاء إلى المجاز والتأويل ونحوهما، وهو فوق كل ذلك يتمشى مع الظواهر اللغوية العربية مثل ظاهرة تأدية الحرف الواحد معاني مختلفة كلها حقيقية ... (لغوية أم عرفية) وظاهرة اشتراك عدد من الحروف في تأدية معنى واحد أو ما يعرف بالمشترك اللفظي.
لا تشير حروف الجر إلى معانيها الأصلية فقط كما تقدم ذكره وإنما تشير أيضا عند سياقات معينة إلى معاني حروف أخرى وتنوب عنها، وتعرض السطور التالية هذه الظاهرة مع الاستدلال بالآيات القرآنية:
-مِنْ، وتنوب عن المعاني التالية:
-ابتداء الغاية المكانية والزمانية، نحو: قوله تعالى:"من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى"... [الإسراء: 1]
-التبعيض، نحو: قوله تعالى:"منهم من كلم الله" [البقرة: 253]
-بيان الجنس، نحو: قوله تعالى:"واجتنبوا الرّجس من الأوثان" [الحج: 30]
-التعليل، نحو: قوله تعالى:"ويجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق" [البقرة: 16]
(1) - عباس حسن، النحو الوافي، ج-2، ص: 537 - 538
(2) - المرجع السابق، ص: 54