-على سبيل المثال - نيابة حرف"اللام"عن حرف"إلى"في قوله تعالي: (والشمس تجرى لمستقر لها) [يس: 38] وقوله: (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ... مسمى) . [الرعد: 2]
وقولك: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) . فحرف اللام المتعدى به الأفعال هنا لا تأتي في مكانها كما لا تؤدى معناها الحقيقي وإنما تنوب عن حرف"إلى"وتؤدي معناها فتعني تلك التعدية:"تجري إلى مستقر لها"، و"يجري إلى أجل مسمى"، و"هدانا إلى هذا".
ولم يكن هنالك مصطلح محدد يمكن الاعتماد عليه في الإشارة إلى هذه الظاهرة النحوية في اللغة العربية، فمن العلماء من يسمونها بالتناوب ومنهم من يسمونها بالتعاقب والإنابة. [1]
إلا أن الباحث يميل إلى تسميتها بالتناوب إذ إن من هذه الظاهرة نوعا من التفاعل بين الحروف كما يتضح من قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) [الشورى: 25] وقوله: (فتحسسوا من يوسف) . [يوسف: 87]
إن حرف"عن"في الآية الأولي تنوب عن حرف"من" (أي يقبل التوبة من عباده) في حين تنوب حرف"من"في الآية الأخيرة عن حرف"عن" (أي فتحسسوا عن يوسف) ليتضح من ذلك تناوب بين حرفي"من"و"عن"إحداهما عن الأخرى.
يعد التناوب من موضوعات الاختلاف بين النحاة إذ إنه أثار جدلا لانهائيا بينهم فيما إذا كان قياسيا أم سماعيا. وقد تخلص هذا الاختلاف في مذهبين:
1.مذهب البصريين
يزعم البصريون أن التناوب ليس قياسيا لأن أحرف الجر لا تنوب بعضها عن بعض بقياس، وأنه ليس لحرف الجر إلا معنى واحد حقيقي يؤديه على سبيل الحقيقة لا المجاز. فالحرف"في"تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو"الظرفية"، والحرف"على"تؤدي معنى واحدا حقيقيا هو"الاستعلاء"، والحرف"من"لا تؤدي حقيقيا إلا معنى ..."الابتداء"كما لا تؤدي الحرف"إلى"معنى حقيقيا إلا معنى"الانتهاء"، وهكذا. فإن أدى الحرف معنى آخر غير معناه الحقيقي الخاص به وجب القول بأن تأديته هذا المعنى الجديد تأدية مجازية لا حقيقية. مثال ذلك قولنا"غرد الطائر في الغصن"، فالحرف"في"كما هو معروف لا تؤدي حقيقيا إلا معنى"الظرفية"ولكن هذا المعنى عاجز عن تفسير ما أدته في هذه العبارة، لأن الطائر المغرد ليس في داخل الغصن أو بين جوانبه
(1) - هادي الهلالي، نظرية الحروف والعاملة ومبناها وطبيعة استعمالها القرآني بلاغيا