الله تعالى ذكر الوجوه؛ لأن أثر النضارة يظهر على الوجه، إشراق الوجه وسروره، إذا لقي ما يسره أشرق الوجه وأبشر، والأعين بلا شك أنها في الوجه، النظر في الوجه، يعني بالوجه حقا، وصف الله تعالى وجوههم بأنها {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) } [1] .
ثم استدل أيضا بالآية الأخرى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [2] وعيد للكفار أنهم يوم القيامة في النار محجوبون عن ربهم، والحجاب عذاب لهم، ولا شك أن هذا دليل على أن المؤمنين ليسوا بمحجوبين، فلو كانوا لا يرون الله تعالى لكان كل الخلق محجوبين عن ربهم، فلما حجب الكفار لكونه غضب عليهم، دل على أن المؤمنين لا يحجبون عنه لكونه رضي عنهم.
يقول: فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه، كان جميعهم عنه محجوبين
هذا هو اعتقاد أهل السنة. هذه الآية أول من استدل بها الإمام الشافعي قال: إذا حجب الله تعالى الكفار في حال الرضا دل على أنه لا يحجب المؤمنين في حال الرضا، حجب الكفار؛ لأنه سخط عليهم، فلا يحجب المؤمنين؛ لأنه رضي عنهم.
ثم يقول: وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله - عز وجل - ولا التحديد له، ولكن يرونه -جل وعلا- بأعينهم على ما يشاء هو، بلا كيف.
كلمة"التجسيم"من الألفاظ المبتدعة التي لم ترد في الشرع، لا إثباتا ولا نفيا، وكان الأولى بالمؤلف ألا يذكرها؛ لأنها من جملة ما يحتجون به، حيث إنهم يقولون: إن الله تعالى ليس بجسم، وإذا لم يكن جسما فكيف يرى، ويقولون: إن إثبات الرؤية يلزم منه أن يكون جسما.
(1) - سورة القيامة آية: 22.
(2) - سورة المطففين آية: 15.