أما ركبوها مع السائق، فلا يجوز ذلك على الإطلاق؛ لحديث النهي عن الخلوة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما " فإن كان هناك ضرورة، كذهابها إلى المستشفى لمرض أو نحو ذلك، فيكون بقدر الحاجة.
والأولى أن تركب معها امرأة أخرى، ولو إحدى جيرانها، أو قريباتها إذا ذهبت إلى السوق، أو إذا ذهبت إلى المستشفى ولم تجد محرما، وكان ذلك ضرورة، أن تستصحب معها امرأة أخرى حتى لا يحصل الانفراد، ولا تحصل الخلوة التي قال: " إلا كان الشيطان ثالثهما "؛ ولأنه إذا كانتا اثنتين أو ثلاثا كان ذلك أبعد عن الريبة، وعن التحدث مع السائق، أو تحدث السائق معها أو نحو ذلك.
وأما ذهابها إلى بيوت الحفلات فلا يجوز إذا كان فيها منكر، وأما إذا لم يكن فيها منكر، فلعل ذلك مباح وجائز، وهو مما اعتيد عليه. إذا كان بيوت الحفلات والأعراس ونحوها فيها اجتماع نساء، وليس فيها رجال، والأغاني التي فيها ليست أغاني تشبيب ونحو ذلك، والطبول ليس فيها طبول، وإنما فيها الدف الذي أمروا بضربه، فلعل ذلك مما يتسامح فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
قرأنا مسألة رؤية المؤمنين لربهم في القيامة وفي الجنة، وهي من المسائل التي طال الجدال فيها والنزاع مع المعتزلة ومن على طريقتهم؛ وذلك لأن سلف الأمة وأئمتها عملوا بالسنة وعملوا بالأحاديث التي ثبتت عندهم في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، واعتقدوا ذلك صحيحا واعتقدوه دينا، واستدلوا عليه بالآيات وبالأحاديث الصريحة وبالنقول عن السلف الصالح، وذكروا ذلك في معتقداتهم، لا فرق بين كل سلفي، فذكره الإمام الشافعي واستدل بآية {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [1] وذكرها الإمام أحمد واستدل بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [2] وبالأحاديث، وذكرها الطحاوي في عقيدته، والإسماعيلي في هذه العقيدة، والدارمي في مقدمة سننه، والدارمي عثمان بن سعيد في رده على الجهمية وفي رده على المريسي، وأكثر أئمة السلف الذين لهم مؤلفات نصوا على الرؤية وأثبتوها، وخالفهم بذلك المعتزلة ومن على شاكلتهم.
وكان من جملة ما استدلوا به قول الله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [3] فيرددون هذه الآية أنها دليل على أنه لا يرى وقد استدل بها أهل السنة على أنه يرى، حتى الأشاعرة جعلوها دليلا على إثبات الرؤية وقالوا: إن الإدراك شيء زائد على الرؤية، لم يقل: لا تراه بل قال: {لَا تُدْرِكُهُ} [4] والإدراك: هو إدراك الماهية ليس هو الرؤية. ذكر عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية قال: ألست ترى القمر؟ قال: بلى، قال: أكله؟ قال: لا، قال: فذلك الإدراك، نحن نرى القمر ولكننا نرى ما يقابلنا منه، ونراه إذا صغيرا مع أنه كبير، ومع ذلك لا ندرك ماهيته، لا ندرك من أي شيء هو، هل هو -مثلا - تراب أو هو حجارة، لا ندري ماهيته فذلك هو الإدراك، والمعنى: أن الأبصار إذا رأته فإنها لا تحيط به. فالحاصل أن الآية دليل على إثبات الرؤية كأنه يقول: متى رأته الأبصار فإنها لا تحيط به، وذلك دليل على عظمته وكبريائه، فأصبحت الآية دليلا لأهل السنة لا دليلا عليهم.
وأكثر ما يتشبث به المعتزلة ونحوهم العقل، حيث جعلوا العقل دليلا وقالوا: إن إثبات الرؤية يستلزم المقابلة، يستلزم تحديق الأبصار وتقليبها نحو الخالق، وذلك يستلزم أن يكون في جهتهم ومقابلا للناظرين، وهذا في زعمهم أنه من المحال، وليس فيما أخبر الله شيء تحيله العقول، بل كل ما أخبر الله به فإنه تقره العقول، العقول السليمة. فالحاصل أن إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة هو قول أهل السنة ولا عبرة بأهل البدعة والآن نواصل القراءة.
(1) - سورة المطففين آية: 15.
(2) - سورة القيامة آية: 23.
(3) - سورة الأنعام آية: 103.
(4) - سورة الأنعام آية: 103.