اللغوي، صحيح أن معناها في اللغة التصديق مثل قوله تعالى عن إخوة يوسف: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [1] أي: بمصدق لنا، هكذا ذكروا"بمؤمن"يعني بمصدق لنا، ومنه أيضا تفسير الإيمان الذي في حديث جبريل المشهور " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر " فالإيمان هنا هو: التصديق، التصديق بهذه الأشياء، فإذا الإيمان في الأصل في اللغة هو التصديق، ولكن الشرع الشريف أضاف إليه الأعمال فجعلها إيمانا، والأقوال فجعلها إيمانا، فأصبح الإيمان عاما للأعمال، فالأعمال البدنية إيمان والقولية إيمان والعقلية القلبية إيمان والمالية إيمان، كلها داخلة في مسمى الإيمان شرعا، هذا هو قول أهل السنة.
الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق وهم يسمون مرجئة الفقهاء وأكثرهم من الحنفية يذكرون أن الإيمان عندهم هو: ما كان عليه في اللغة أنه التصديق، ويقولون: إن اللسان العربي على هذا يدل على أنه التصديق، ولكن يلزم على هذا محذور أو محاذير؛ وذلك أنه يلزم عليه تسوية الناس في الإيمان مادام أنهم كلهم مؤمنون، فلا يكون بينهم فرق في الإيمان، فيكون إيمان أجلاء الصحابة كإيمان أترف الناس، وهذا فيه تسوية بين المتفاوتات.
معلوم أن إيمان الصديق - رضي الله عنه - والفاروق وعثمان وعلي وسائر الصحابة أقوى من إيمان غيرهم ممن جاء بعدهم ومن إيمان أهل هذا الزمان الذين في إيمانهم تزعزع وضعف، والدليل عليه أن إيمانهم الذي هو إيمان راسخ حملهم على الأعمال، حملهم على الهجرة وحملهم على الصبر، على الأذى في ذات الله، وحملهم على الجهاد في سبيل الله، وحملهم على الإنفاق في مرضات الله تعالى، وحملهم على الاجتهاد في سبل الخير وفي الأعمال الخيرية، فذلك دليل على أنه أقوى من إيمان غيرهم من سائر الناس هذا من حيث الإيمان الذي في القلب.
وإذا نظرنا -أيضا- في الأدلة وجدنا أن الشرع سمى الأعمال إيمانا، سمى الله تعالى كثيرا من الأعمال البدنية والمالية إيمانا قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [2] هذه خمس خصال: منها ثلاث من الأعمال القلبية {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) } [3] هذه من أعمال القلب، وواحد من أعمال البدن: إقام الصلاة، وواحد عبادة مالية: النفقة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [4] فهذه كلها جعلها الله تعالى من الإيمان. ومثل ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (( 15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) } [5] فهذه كلها جعلها علامة على الإيمان، يعني إنما المؤمنون حقا هم الذين يفعلون هذه الأشياء، فهذا كله دليل على أنها هذه الأعمال من الإيمان، ومثلها قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) } [6] جعل هذه كلها من الإيمان.
وأشباه ذلك من الآيات لا شك أن هذه أدلة على أن الأعمال من مسمى الإيمان ووردت السنة بذلك، ففي الصحيحين قوله - صلى الله عليه وسلم - " الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " انظر كيف ذكر ثلاث خصال: خصلة قولية " قول لا إله إلا الله " فهي من الإيمان، وخصلة فعلية " إماطة الأذى عن الطريق " هي من الأفعال جعلها إيمانا، وخصلة قلبية الحياء من الإيمان. هذه أدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ ولذلك اتفق السلف من أهل السنة على تعريف الإيمان بمثل ما ذكر الإسماعيلي فقالوا: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
هكذا يعرفونه، القول الذي باللسان يدخل فيه الذكر والدعاء والقراءة والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يدخل فيه كل الأعمال القولية التي باللسان كلها نقول إنها من الإيمان، كذلك الاعتقاد
(1) - سورة يوسف آية: 17.
(2) - سورة الأنفال آية: 2 - 4.
(3) - سورة الأنفال آية: 2.
(4) - سورة البقرة آية: 3.
(5) - سورة السجدة آية: 15 - 16.
(6) - سورة الحجرات آية: 15.