بالجنان يدخل فيه الأعمال القلبية، فيدخل فيه الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة، ويدخل فيه الحياء الذي ذكر أنه من الإيمان، أعمال القلوب كثيرة تدخل في أنها من الإيمان، وكذلك -أيضا- الأعمال البدنية: الركوع والسجود والقيام والقعود والجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكذلك الصيام والطواف بالبيت والوقوف بالمشاعر وما أشبه ذلك من الأعمال البدنية كلها داخلة في مسمى الإيمان؛ لأنها من الأعمال المندوبة المأمور بها، وكذلك -أيضا- الأعمال المالية وإن لم يذكرها في التعريف لدخولها في الأعمال البدنية؛ لأن المال يكتسب غالبا بالبدن فإذا أنفق في سبيل الله فإن ذلك عمل صالح عمل بر، فالزكوات من الإيمان والصدقات من الإيمان والتوسعة على ذوي الحاجات من الإيمان وكفالة الأيتام مثلا والنفقة في وجوه البر، كعمارة المساجد ونشر العلم وكل ما يصرف فيه المال مما هو قربة إلى الله تعالى فإنه من الإيمان؛ لكونها أعمال صالحة يحبها الله تعالى.
لا شك أن الإيمان أصبح بذلك مسمى شرعيا نقله الشرع إلى هذا المسمى كما أن الشرع نقل الإسلام، الإسلام في اللغة: الإذعان والانقياد والاستسلام لمن يقود الإنسان، نقله الشرع إلى أن أصبح اسما لأركان الإسلام الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج وما يلحق بهما، وهكذا نقل الإحسان، الإحسان في اللغة: اسم لإيصال الخير إلى الغير، ولكن نقله الشرع وجعله: عبادة الله وحده وإصلاح العمل له " أن تعبد الله كأنك تراه ... " إلى آخره، فهذا تصرف الشرع في هذه الكلمات، فيقال مثلا هذه الكلمات لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع كما أن أضدادها -أيضا- لها تعريف في اللغة وتعريف في الشرع، فالشرك تعريفه في اللغة: الاشتراك بين اثنين في استحقاق، وتعريفه في الشرع: دعوة غير الله مع الله، والتوحيد له تعريف في اللغة وهو: الفرد الواحد يعني ذكر شخص واحد مفرد، وتعريفه في الشرع: إفراد الله تعالى بالعبادة، وكذلك- مثلا- الفسوق أصله في اللغة: الخروج ويطلق في الشرع على العصيان؛ لأنه خروج عن طاعة الله تعالى، وكذلك النفاق تعريفه في اللغة: الإخفاء الشيء الخفي وتعريفه في الشرع: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، فكذلك نقول إن هذه اللفظة"الإيمان"نقلها الشرع وسماها بهذا الاسم.
الذين قالوا إن الإيمان هو التصديق يسوون بين الناس، فيقولون: إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة وأكابر الصحابة، فعندهم على هذا لا فرق في الإيمان بين هذا وبين هذا، الناس كلهم سواء في هذا الإيمان،