ولا شك أن في هذا تسهيل في المعاصي؛ لأنه إذا عرف أن المعاصي لا تضره وأن إيمانه كامل فإنه -ولا بد - سوف يتساهل بأمر الله فيفعل ما يستطيعه من الذنوب، فيشرب الخمور ويسمع الأغاني ويأكل الربا ويقتل ويفسق ويزني ويفجر ويكذب ويفعل كل المعاصي، ويقول: إيماني كامل ما دام أن هذه ليست من الإيمان فالإيمان الذي في القلب موجود. ويقولون: إن أهله في أصله سواء، فيعتقد أن إيمانه كامل، وهذا ما حمل كثيرا على الانهماك في المعاصي وهم الذين يسمون"المرجئة".وما أكثر الذين أنكروا عليهم وردوا عليهم قولهم، حيث اعتقدوا أن الإيمان شيء واحد وأن أهله فيه سواء، فعند ذلك صاروا يعتمدون على واسع الرحمة وكرم الله، حتى يقول قائلهم:
فكثر ما استطعت من المعاصي ... إذا كان القدوم على كريم
كأنه يبيح لهم المعاصي بل يأمرهم بتكثيرها، هذه عقيدة المرجئة الذين سهلوا في المعاصي. قيل إنهم سموا مرجئة؛ لأنهم أرجئوا الأعمال عن مسمى الإيمان يعني: أخروها، الإرجاء: هو التأخير قال تعالى: {* تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} [1] يعني: تؤخر، فسموا مرجئة؛ لأنهم أرجئوا يعني: أخروا الأعمال من مسمى الإيمان، ولا شك أن هذا تهاون بالأسماء الشرعية.
وقيل: إنهم سموا مرجئة؛ لأنهم غلبوا باب الرجاء غلبوا الرجاء، يعني: أنهم اعتمدوا على أحاديث الرجاء، جاء في القرآن آيات في تغليب في ذكر الرجاء وجاء فيه آيات في تغليب الخوف أو في الأمر بالخوف، وقد تكلم العلماء على آيات الرجاء وآيات الخوف وقالوا: ينبغي للإنسان في حالة الدنيا وفي حالة النشاط والقوة أن يغلب جانب الخوف، وأن يكثر من الأعمال الصالحة، ويهرب من السيئات، ويخاف من
(1) - سورة الأحزاب آية: 51.