التفريط والإهمال، ويكون دائما خائفا فزعا يحذر عذاب الله ويخشى نقمته وعقوبته، أما إذا نزل به الأمر وحضره الأجل فيفضل أن يغلب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه تعالى وهو يحسن الظن به كما ورد في الحديث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه "
وذهب بعضهم إلى أنك في حالة الدنيا تعمل بهما جميعا، أي تعمل بالخوف وبالرجاء فلا تغلب الرجاء فتكون من المرجئة ولا تغلب الخوف فتكون من الوعيدية كالخوارج والمعتزلة، بل تتوسط، التوسط بينهما أن يكون دائما خائفا راجيا، واستدلوا على ذلك بالآيات التي فيها الجمع بينهما كقوله تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [1] جمع بينهما {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} [2] هذا في جانب الرجاء {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [3] يعني في جانب الخوف، وهكذا -أيضا- يذكر الله آية الرجاء ثم آية الخوف قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } [4] انظر كيف جمع بينهما وقال تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [5] جمع بينهما، أتبع العقاب بالمغفرة وقال تعالى: {* نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } [6] فجمع بينهما في آيتين متتابعتين.
الحكمة في ذلك أن يكون المؤمن في حياته جامعا بينهما فإذا تذكر عذاب الله تعالى خاف خوفا شديدا وأكثر من الأعمال الصالحة، وإذا تذكر سعة رحمة الله تعالى رجاها وعمل الأعمال الصالحة التي تدفعه إلى رضا الله تعالى وتؤهله لأن يكون من أوليائه، ورد في الحديث أن عدوا كبائر الذنوب وأن منها الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله، وكلها مأخوذة من القرآن، فالقنوط في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [7] وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [8] فاليأس: هو قطع الرجاء وكذلك القنوط، القنوط: هو قطع الرجاء بالكلية من رحمة الله تعالى، فلو قدر مثلا أن إنسانا أشب على الذنوب وأكثر منها وحمل نفسه مالا تطيق من السيئات، فإنه مع ذلك لا يقنط ولا يقول: أنا قد عملت سيئة كبيرة لا يمكن أن تنالني الرحمة، أنا مقدم على النار أنا سأصير على النار؛ حيث إنني عملت كذا وكذا من السيئات وعملت من الكفر وعملت من التكذيب كذا وكذا، فيقطع الرجاء، لا يجوز ذلك، بل عليه أن يستحضر رحمة الله تعالى ويرجوه حتى يرحمه ربه، وكذلك -أيضا- قسم آخر ذكر في قول
(1) - سورة الإسراء آية: 57.
(2) - سورة الإسراء آية: 57.
(3) - سورة الإسراء آية: 57.
(4) - سورة الرعد آية: 6.
(5) - سورة غافر آية: 3.
(6) - سورة الحجر آية: 49 - 50.
(7) - سورة الحجر آية: 56.
(8) - سورة يوسف آية: 87.