وكذلك الذين يعبدون الأشجار والأحجار الذين -مثلا- يتبركون بهذه الشجرة ويعتقدون فيها ويتبركون بهذه الصخرة أوبهذه القبة أو بهذه العين أو ما أشبه ذلك ويعتقدون أنها تنفع وتشفع وتدفع وأنها تفيدهم؛ فلأجل ذلك يتمسحون بها ويعكفون عندها ويأخذون تربتها وربما -أيضا- دعوها كما دعا المشركون العزى: يا عزى ياعزى، فمثل هؤلاء ليسوا من أهل القبلة ولو صلوا وصاموا، ليسوا من أهل التوحيد فلا يدخلون في هذا الباب، إنما الكلام في مسلمين من أهل التوحيد ومن أهل القبلة وارتكبوا كبائر، يعني فعلوا من الذنوب ما دون الشرك فإننا لا نخرجهم من الإسلام ولا من الإيمان، بل نقول: إنهم مؤمنون ولكن نقول: إنهم إيمانهم ناقص، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، يسمى فاسقا يعني عاصيا لأجل الكبيرة التي اقترفها، ويسمى ناقص الإيمان، مؤمنا بإيمانه فاسقا بكبيرته أو مؤمنا ناقص الإيمان، نقص إيمانه حمله على أن يفعل المعاصي ويترك الطاعات؛ فلذلك نقول إنه لا يخرج بذلك من مسمى الإيمان هذا هو قول أهل السنة.
أما الخوارج فإنهم يكفرون العاصي أيا كانت معصيته، فيكفرون الذين يأكلون أموال اليتامى ويخلدونهم في النار ويستبيحون قتلهم وسفك دمائهم ونهب أموالهم واستحلال سبي نسائهم، ويقولون: إن الله توعدهم بالنار قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [1] وكذلك -أيضا- مثل قذف المحصنات توعد الله عليه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) } [2] فيكفرونهم بهذه الكلمة إذا رمى محصنا أو محصنة فأخرجوه من الإيمان وأدخلوه للكفر واستباحوا قتله. يقول العلماء عن الخوارج: إنهم يجعلون الذنب كفرا والعفو ذنبا، الذنب يجعلونه كفرا والعفو يجعلونه ذنبا، فمثل هؤلاء قد قتلهم الصحابة وبدعوهم وشنعوا عليهم. جاء المعتزلة فوافقوا الخوارج في بعض الأشياء، وافقوا الخوارج في أن أهل الذنوب الذين يموتون عليها يخلدون في النار ولا يخرجون منها، فإذا مات وهو يأكل الربا أو مات وهو يزني -مثلا- أو مات وهو يسرق أو مات وهو يأكل مال اليتيم -من غير توبة- أو مات وقد قذف محصنا أو مات وقد تولى يوم الزحف أو نحو ذلك من المعاصي فعند المعتزلة أنه خالد في النار لا يخرج منها، ولكنهم في الدنيا لا يعاملونه معاملة الكافر ولا معاملة المسلم بل هو في منزلة بينهما هذه حالة المعتزلة.
فنحن نقول: إن أحدا من أهل التوحيد وممن يصلي إلى القبلة لو ارتكب ذنبا أو ذنوبا كبيرة صغائر أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله فإنه لا يكفر، لا نخرجه من الإيمان ولا ندخله في الكفر ولا نقول: إنه يخلد في النار، بل أمرهم في الآخرة إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة وإن شاء أدخلهم النار بحسب سيئاتهم، بحسب ذنوبهم، ثم مآلهم بعد تكفير الذنوب إلى أن يخرجوا، إما بشفاعة الشافعين وإما برحمة الله تعالى. إذا عذبوا العذاب الذي يتحملونه بقدر ذنوبهم أخرجوا.
(1) - سورة النساء آية: 10.
(2) - سورة النور آية: 23 - 25.