الأعيان، فإذا قلنا: إن الله تعالى قديم، فلا حاجة إلى أن نقول: الله قديم، وعلمه قديم، وقدرته قديمة، ويداه قديمتان، ووجهه قديم، وإرادته قديمة، بل الله قديم بصفاته، فلا يحتاج إلى تعدد القدماء كما يقولون.
المعتزلة معروف أنهم ينكرون الصفات، وكان أول خروجهم في عهد الحسن البصري، وذلك لأنه جاءه رجل يسأله عن رجل عمل ذنوبا وارتكب خطايا، فهل نكفره أو نفسقه؟ وهل نسميه مؤمنا أو نسميه كافرا؟
وكان في مجلس الحسن رجل من تلامذته، ولكنه لَسِنٌ جريء بليغ فصيح، فنطق وقال: أنا أقول إن العاصي ليس بمؤمن ولا كافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين، فلا نخرجه من الإسلام، ولا ندخله في الكفر، بل هو بينهما.
فأراد أن يقنعه الحسن، فأصر على كلامه، ولما أصر على ذلك اعتزل المجلس -مجلس الحسن-، وانفرد في حلقة من زاوية المسجد، وصار يقرر على تلامذة له أُعجبوا بفصاحته هذه العقيدة، فعند ذلك قال الحسن -رحمه الله-: اعتزلنا واصل.
ثم كان بعد ذلك كلما أحس من إنسان شيئا من البدعة قال: هذا قول أولئك المعتزلة، إن كنت كذلك فاذهب إلى أولئك المعتزلة؛ فلقبوا بالمعتزلة، واستمروا على هذا اللقب، وصاروا يعترفون بذلك، يعترفون ويفتخرون بأنهم بهذا الاسم، ولكنهم مع ذلك يدعون أنهم على حق وعلى صواب.
ومبنى مذهبهم على خمسة أصول، يسمونها بأسماء حسنة وهي: العدل، وإنفاذ الوعيد، والتوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين.
هذه أصولهم الخمسة، أسماء حسنة، ولكن إذا شرحتها وطلبت شرحها وجدت فيها مخالفات، مرادهم بالعدل: عدم قدرة الله على أفعال العباد، ينكرون أن الله تعالى خلق أفعال العباد، ويقولون: إذا خلق الله المعصية في العاصي وعذبه فهذا جور وظلم، ليس عدلا؛ فيجعلون العباد هم الذين يخلقون أفعالهم مستقلين بها.
وينكرون أن الله قادر على أن يهدي أو يضل، ويقولون: لو أراد الإنسان أمرا وأراد الله غيره لغلبت قدرة العبد على قدرة الخالق، وهذا -بلا شك- تنَقُّصٌ لله، هذا مرادهم بالعدل، ولعله يأتينا ما يبينه أكثر.