وأما مرادهم بالتوحيد: فهو نفي الصفات، فهم يقولون: إن الله تعالى واحد، وينكرون أن يكون معه صفات، فيقولون: إذا أثبتنا الذات، وأثبتنا العلم، وأثبتنا القدرة، وأثبتنا الرحمة، وأثبتنا الكلام، وأثبتنا الوجه، وأثبتنا اليد، وأثبتنا المشيئة، وأثبتنا الرحمة، ما أثبتنا واحدا، أثبتنا عددا؛ فلا نكون موحدين، لا نكون موحدين إلا إذا أثبتنا ذاتا مجردة عن الصفات، هذا مذهبهم، مرادهم بالتوحيد.
أما المنزلة بين المنزلتين فمرادهم أن العاصي لا مؤمن ولا كافر، بل بينهما، فهم لا يقاتلون العصاة في الدنيا كالخوارج، ولا يعاملونهم معاملة المسلمين، هذا قولهم في الدنيا.
ومرادهم بإنفاذ الوعيد -وهو أصل من أصولهم- يقولون: إن آيات وأحاديث الوعيد التي وردت في حق العصاة لا بد من إنفاذها؛ فلأجل ذلك يخلدون العصاة، يحكمون بخلودهم في النار، وينكرون شفاعة الشافعين، وينكرون أن يُخرَج أحد ممن دخل في النار.
ومرادهم بالأمر والنهي: جواز الخروج على الأئمة إذا أظهروا معصية، يستبيحون الخروج على الأئمة، فهذه معتقداتهم.
ذكر المعلق أن من أشهر رجالهم واصل بن عطاء، وهو الذي ذكرنا أنه أول من اعتزل مجلس الحسن، وعمرو بن عبيد، وهو عالم ولكنه ضال، كما أن واصل بن عطاء عالم وفصيح؛ حتى ذكروا أنه كن ألثغ بالراء، فكان إذا خطب يتجنبها في كلامه، يتجنب أن يكون في خطبته الطويلة حرف الراء حتى لا يعاب؛ لأنه كان يقلبها غَينا، حتى في القرآن إذا قال مثلا:"الصراط"يقول:"الصغاط"، يعني كاللكنة التي تكون في بعض الناس، من فصاحته أنه لا ينطق بالراء، يتجنبها.
أما عمرو بن عبيد فكان عالما ولكنه مبتدع ضال، ومع ذلك فقد انخدع به بعض الولاة مثل الخليفة المنصور، كان يقربه؛ وذلك لأنه يرى أنه زاهد في العطاء، لا يطلب شيئا من المال، ولا يرغب في شيء لنفسه، حتى إنه كان يقول للذين يأتون إليه يقول:
كلكم يمشي رويد ... كلكم طالب صيد ... غير عمرو بن عبيد
يريد أن كلكم يطلبون المال إلا عمرو بن عبيد، بيَّن ابن كثير في ترجمته في البداية والنهاية أنه -وإن اشتهر بالزهد- فإنه مبتدع.
وأما أبو الهزيل فهو أيضا مشهور، أبو الهزيل العلاف مشهور بأنه من جهابذتهم ومن أكابرهم، ولكنه من المنهمكين في هذه العقيدة ومن الغلاة فيها، إبراهيم النظام كذلك أيضا اشتهر بمخالفات عجيبة، وكذلك الجاحظ، الحاصل أن هؤلاء من مشاهيرهم، وكذلك أيضا -وذكرهم بشر بن المعتمر- المردار، وثمامة بن أشرس، وابن أبي دؤاد وما أشبهه.
أما الخوارج فهم الذين خرجوا على عليّ، والذين وردت فيهم الأحاديث، ثم يطلَقون على كل فرقة تخرج بقوة ولها شبه تأويل، تخرج عن طاعة الأمير أو عن طاعة الخليفة، ويكون عندهم نفوذ ولهم قوة، يسمون خوارج لخروجهم عن ولاية الولاة.