أول ما خرجوا كانوا في عهد علي - رضي الله عنه - ثم استمر خروجهم في عهد بني أمية، ولما استخلف عمر بن عبد العزيز وسار سيرة حسنة أرادوا أن يدخلوا في ولايته، فجاءوا إليه وبحثوا معه، فلم يجدوا عنده شيئا من المخالفات، فقالوا: ما ننقم عليك إلا واحدة، وهي أنك استخلفت بعدك أحد بني أمية؛ لأنه لم يستخلفه ولكن استخلفه غيره، وهو هشام أو أحد أولاد عبد الملك، فعند ذلك أراد أن يعزله، ولما خاف بنو أمية أنه يعزله من الولاية قيل إنه أُرسل إليه من سقاه سما حتى مات، الله أعلم، فالحاصل أنهم كل من خرج عن طاعة الولاة.
ولا شك أن القول بأن أسماء الله تعالى مخلوقة قول مبتدع؛ وذلك لأن الله تعالى بذاته وبصفاته، ليس منه شيء مخلوق، وقد تكلفوا في تصوير هذا الشيء الذي ادعوا أنه مخلوق، وأطالوا في ذلك، ولكن لم يأتوا بحاصل، عباراتهم التي ولدوها لم تدل على شيء.
الفقرة الثامنة:"ويثبتون له وجها وسمعا وبصرا وعلما وقدرة وقوة وعزة وكلاما"، هذه الصفات التي ذكر منها صفات ذاتية: وجها وسمعا وبصرا وكلاما، هذه صفات ذاتية، والعلم والقدرة والقوة والعزة صفات فعلية، ولا شك أن أهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله تعالى.
ولكن هذه الأشياء ذُكرت على وجه التمثيل -ولعله خصها للرد على أهل الزيغ من المعتزلة ونحوهم- فإن المعتزلة ينكرون مثل هذه الصفات: الوجه والسمع والبصر .. إلى آخره.
أخذ المؤلف يذكر الأدلة، دل على إثبات الوجه القرآن والسنة، قال الله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [1] وقال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [2] وقال تعالى: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) } [3] وقال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [4] وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [5] والآيات كثيرة في إثبات الوجه.
وكذلك الأحاديث، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ومثل قوله: " وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " ومثل قوله في الدعاء المشهور: " أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة " وغير ذلك من الأحاديث واضحة الدلالة في إثبات صفة الوجه؛ فيثبت ذلك أهل السنة الذين تمسكوا بالسنة متقدمين ومتأخرين.
الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد في المسائل أتى على باب:"لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة"فقال في المسائل:
المسالة الأولى: أنه لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة لشرفها.
المسألة الثانية: إثبات صفة الوجه، يعني: نثبتها لله تعالى، وإذا أثبتنا فإننا ننزه الله تعالى عن أن يكون كالمخلوق.
أما الذين نفوا هذه الصفات فما موقفهم عند هذه الآيات والأحاديث؟ يتأولونها فيقولون: المراد بالوجه هو ما يقابل النظر أو نحوه، ويقولون: إنه يطلق الوجه على ما لا وجه له، فيقولون مثلا إن العالم إذا أشكلت عليه مسألة قال: وجه هذه المسألة كذا وكذا، وجهها يعني ما ينظر فيه إليها، فيصرفون هذه الأدلة مصارف بعيدة.
كذلك السمع والبصر، أهل السنة يثبتون السمع والبصر ويفسرونها، يعرفون باللغة أن السمع هو إدراك الأصوات، وأن البصر هو إدراك المرئيات، ويقولون: نثبت لله تعالى سمعا، ونقول: إنه يسمع كل شيء،
(1) - سورة الرحمن آية: 27.
(2) - سورة القصص آية: 88.
(3) - سورة الليل آية: 20.
(4) - سورة الإنسان آية: 9.
(5) - سورة الأنعام آية: 52.