الصفحة 102 من 322

يسمع جهر القول وخفي الخطاب، لا تشتبه عليه اللغات، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات وتفنن المسئولات، فلا يشغله سمع عن سمع، لا يشغله سمع هذا الداعي عن هذا الداعي عن هذا الداعي، يسمع الجميع، ولا يشغله صوت هذا عن هذا كالمخلوق.

المخلوق إذا تكلم عنده اثنان اشتبه عليه كلام هذا بهذا، فلا يزال يُسِكِّت أحدهما حتى يسمع الآخر، الرب تعالى يسأله الخلق كلهم والملائكة والمخلوقات كلها في آن واحد، ومع ذلك يسمع أصواتهم جميعا، ويعرف -أو يجيب- من يستحق الإجابة.

أما البصر فورد إثباته في آيات كثيرة لا تحصى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) } [1] البصر هو إدراك المبصَرات، ويطلق عليه أيضا الرؤية في قول الله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [2] فأثبت لنفسه أنه يرى، وذلك هو إثبات الرؤية.

وقد وصف نفسه بالسمع والبصر في مثل قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) } [3] فجمع بين السمع والبصر في عدة آيات، نَصِف الله تعالى بأنه يبصر، وأنه لا يستر بصره حجاب، ولا يحجزه مخلوق عن أن يبصر ما وراءه، فينفذ بصره في جميع المبصرات، ولا يحتجب شيء عنه من المخلوقات.

ورد في تفسير قوله الله تعالى في سورة فصلت قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [4] فورد أن بعضا من المشركين اجتمعوا -ثلاثة- فقالوا: " أتظنون أن الله يسمع كلامنا ويرانا؟ فقال بعضهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا، وقال آخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فنزلت الآية: {وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [5] ".

صفة العلم أثبتها الله تعالى بقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [6] يعني: أثبت لنفسه أنه أنزل القرآن بعلمه، وذلك -بلا شك- دليل على إثبات هذه الصفة التي هي أنه عالم، المعتزلة ونحوهم لا يثبتون، إنما يصفونه بالصفات السلبية، فإذا جادلت بعضهم يقول: نحن نقول: إن الله لا يجهل. فإذا قلت: أثبت أن الله يعلم. يقول: ما أثبت أن الله يعلم، ولكن أقول: لا يجهل.

ولا يكفي هذا، والله تعالى يقول: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [7] أثبت لنفسه أنه له علم، وأنهم لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء، كذلك قوله: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [8] أثبت لنفسه صفة العزة، العزة هي القوة والقدرة، القوة على كل شيء، فهو دليل على إثبات صفة القوة، كذلك قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [9] فسر الأيد بأنه القوة.

الفقرة الثامنة:"ويثبتون له وجهًا، وسمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرة، وقوة، وعزة، وكلامًا"هذه الصفات التي ذكر منها صفات ذاتية:"وجهًا وسمعًا وبصرًا وكلامًا"هذه صفات ذاتية، والعلم والقدرة والقوة والعزة صفات فعلية، ولا شك أن أهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله -تعالى-، ولكن هذه الأشياء ذكرت على وجه التمثيل، ولعله خصها للرد على أهل الزيغ من المعتزلة ونحوهم، فإن المعتزلة ينكرون مثل هذه الصفات، الوجه والسمع والبصر إلى آخره.

أخذ المؤلف يذكر الأدلة، دل على إثبات الوجه القرآن والسنة، قال الله -تعالى-: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [10] وقال -تعالى-: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [11] وقال -تعالى-: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) } [12] وقال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [13] وقال -تعالى-: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [14] والآيات كثيرة في إثبات الوجه.

وكذلك الأحاديث مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - " حجابة النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ومثل قوله: " وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " ومثل قوله في الدعاء المشهور: " أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة " وغير ذلك من الأحاديث واضحة الدلالة في إثبات صفة الوجه فيثبت ذلك أهل السنة الذين تمسَّكوا بالسنة متقدمين ومتأخرين.

الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في كتاب التوحيد في المسائل أتى على باب"لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"فقال في المسائل:

المسألة الأولى: أنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة لشرفها.

المسألة الثانية: إثبات صفة الوجه، يعني: نثبتها لله -تعالى-، وإذا أثبتنا فإننا ننزه الله -تعالى- عن أن يكون كالمخلوق، أما الذين نفوا هذه الصفات فما موقفهم عند هذه الآيات والأحاديث؟ يتأولونها فيقولون: المراد بالوجه هو ما يقابل النظر أو نحوه، ويقولون: إنه يطلق الوجه على ما لا وجه له، فيقولون -مثلًا-: إن العالم إذا أشكلت عليه مسألة قال: وجه هذه المسألة كذا وكذا وجهها يعني: ما ينظر فيه إليها، فيصرفون هذه الأدلة مصارف بعيدة.

كذلك السمع والبصر، أهل السنة يثبتون السمع والبصر، ويفسرونها يعرفون باللغة أن السمع هو إدراك الأصوات، وأن البصر هو إدراك المرئيات، ويقولون: نثبت لله -تعالى- سمعًا، ونقول: إنه يسمع كل شيء يسمع جهر القول، وخفي الخطاب، لا تشتبه عليه اللغات، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات وتفنن المسئولات، فلا يشغله سمع عن سمع، لا يشغله سمع هذا الداعي عن هذا الداعي عن هذا الداعي، يسمع الجميع ولا يشغله صوت هذا عن هذا كالمخلوق.

(1) - سورة النساء آية: 134.

(2) - سورة طه آية: 46.

(3) - سورة المجادلة آية: 1.

(4) - سورة فصلت آية: 22.

(5) - سورة فصلت آية: 22.

(6) - سورة النساء آية: 166.

(7) - سورة البقرة آية: 255.

(8) - سورة فاطر آية: 10.

(9) - سورة الذاريات آية: 47.

(10) - سورة الرحمن آية: 27.

(11) - سورة القصص آية: 88.

(12) - سورة الليل آية: 20.

(13) - سورة الإنسان آية: 9.

(14) - سورة الأنعام آية: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت