المخلوق إذا تكلم عنده اثنان اشتبه عليه كلام هذا بهذا، فلا يزال يسكت أحدهما حتى يسمع الآخر، الرب -تعالى- يسأله الخلق كلهم والملائكة والمخلوقات كلها في آن واحد، ومع ذلك يسمع أصواتهم جميعًا، ويعرف أو يجيب من يستحق الإجابة.
أما البصر فورد إثباته في آيات كثيرة لا تحصى {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) } [1] البصر هو إدراك المبصرات، ويطلق عليه الرؤية في قول الله -تعالى-: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [2] فأثبت لنفسه أنه يرى، وذلك هو إثبات الرؤية.
وقد وصف نفسه بالسمع والبصر في مثل قوله -تعالى-: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) } [3] فجمع بين السمع والبصر في عدة آيات، نصف الله -تعالى- بأنه يبصر، وأنه لا يستر بصره حجاب، ولا يحجزه مخلوق عن أن يبصر ما وراءه، فينفذ بصره في جميع المبصرات، ولا يحتجب شيء عنه من المخلوقات.
ورد في تفسير قول الله -تعالى- في سورة فصلت: في قوله -تعالى-: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [4] فورد أن بعضًا من المشركين اجتمعوا ثلاثة فقالوا: أتظنون أن الله يسمع كلامنا ويرانا؟ فقال بعضهم: يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إذا أخفينا، وقال آخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فنزلت الآية: {وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [5] .
صفة العلم أثبتها الله -تعالى- بقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [6] يعني: أثبت لنفسه أنه أنزل القرآن بعلمه، وذلك بلا شك دليل على إثبات هذه الصفة التي هي أنه عالم.
المعتزلة ونحوهم لا يثبتون، إنما يصفونه بالصفات السلبية، فإذا جادلت بعضهم يقول: نحن نقول: إن الله لا يجهل، فإذا قلت: أثبت أن الله يعلم فيقول: ما أثبت أن الله يعلم، ولكن أقول: لا يجهل، ولا يكفي هذا، الله -تعالى- يقول: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [7] أثبت لنفسه أنه له علم، وأنهم لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء.
كذلك قوله: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [8] أثبت لنفسه صفة العزة، العزة هي القوة، والقدرة، القوة على كل شيء، فهو دليل على إثبات صفة القوة، كذلك قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [9] فسر الأيد بأنه القوة، الأيد هو القوة، وليس هو جمع يد، قال -تعالى- عن داود: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} [10] أي: صاحب الأيد أي: صاحب القوة، فكذلك {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} [11] أي: بقوة أثبت الله -أيضًا- صفة القوة في قوله -تعالى-: {هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [12] والقوة هي القدرة التامة على كل شيء أثبتها -أيضًا- في قوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} [13] القوة التامة، ولهذا قال: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) } [14] فهو -تعالى- موصوف بالعلم والقوة والقدرة والسمع والبصر والكلام.
فكل هذه صفات ثابتة لله -تعالى-، أثبت لنفسه صفة العين {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) } [15] {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} [16] لا شك أن هذا -أيضًا- دليل على أنه موصوف بهذه الصفات، صفة العين أثبتها بلفظ المفرد، وأثبتها بلفظ الجمع، فيراد بالمفرد الجنس كما يقال في صفة اليد، ويقال في الجمع {بِأَعْيُنِنَا} [17] يراد
(1) - سورة النساء آية: 134.
(2) - سورة طه آية: 46.
(3) - سورة المجادلة آية: 1.
(4) - سورة فصلت آية: 22.
(5) - سورة فصلت آية: 22.
(6) - سورة النساء آية: 166.
(7) - سورة البقرة آية: 255.
(8) - سورة فاطر آية: 10.
(9) - سورة الذاريات آية: 47.
(10) - سورة ص آية: 17.
(11) - سورة الذاريات آية: 47.
(12) - سورة فصلت آية: 15.
(13) - سورة الذاريات آية: 58.
(14) - سورة الذاريات آية: 58.
(15) - سورة طه آية: 39.
(16) - سورة هود آية: 37.
(17) - سورة هود آية: 37.