حويطب - رضي الله عنه - أنه قال: كان في الجاهلية في الكعبة حِلَق أمثال لجم البهم يدخل الخائف فيها يده فلا يريبه أحد فلما كان ذات يوم ذهب خائف ليدخل يده فيها فاجتبذه رجل فشلّت فيها يمينه فأدركه الإسلام وإنه لأشلّ.
ومن القصص التي وقعت في زمن الجاهلية أيضًا ما رواه الأزرقي في «أخبار مكة» , عن مجاهد قال: جاءت امرأة تطوف عريانة وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل الطواف وطاف في جنبها لأن يمسها فأدنى عضده من عضدها فالتزقت عضده بعضدها فخرجا من المسجد من ناحية بني سهم هاربين على وجوههما فزعين لما أصابهما من العقوبة فلقيهما شيخ من قريش خارجًا من المسجد فسألهما عن شأنهما فأخبراه بقضيتهما فأفتاهما أن يعودا فيرجعا إلى المكان الذي أصابهما فيه ما أصابهما فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا, فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله سبحانه وأخلصا إليه أن لا يعودا فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد منهما في ناحية. وقد رواه عبدالرزاق في «مصنفه» , والفاكهي في «أخبار مكة» بأسانيد صحيحة عن عبدالرحمن بن سابط قال: برق ساعد امرأة وهي تطوف بالبيت في الجاهلية فوضع رجل يده على ساعدها فألزقت يده بيدها فأتى رجل فقال: ائت المكان الذي صنعت فيه هذا فعاهد رب هذا البيت أن لا تعود, قال: ففعل فأطلق. وروى الفاكهي أيضًا عن عطاء بن السائب, عن عامر - والظاهر أنه يعني به الشعبي - قال: إن رجلًا أخذ بيد امرأة في الجاهلية في الطواف فلزمت يده يدها فلقيه شيخ من قريش فقال: ما شأنكما؟ فأخبراه الخبر فقال: ارجعا إلى المكان الذي أصابكما فيه هذا فادعوا الله فيه, فدعوا ففرجت أيديهما.
قلت: في هذه القصة عبرة للمعتبرين وموعظة للسفهاء الذين يتعرضون للنساء في الطواف فينظرون إلى وجوههن وما ظهر من أعضائهن, وربما غازل بعضهم بعض النساء في الطواف, وربما لمس بعضهم بعضهن, وربما تعرَّض بعضهم إلى ما هو أشنع من ذلك من الأفعال القبيحة كما قد ذكر لنا بعض الثقات أنه رأى بعض الفجار يتابع امرأة في الطواف فإذا جاء في مواضع الزحام التزق بها من خلفها فلما رأى ذلك منه أمسكه فإذا مقدم ثوبه قد ابتلّ بالمني وتلوث به فذهب به إلى بعض دوائر المسؤولين ليعاقبوه معاقبة تردعه وتردع أمثاله من الفجار الذين لا يخافون الله ولا يبالون بانتهاك حرمة البيت الحرام. وذكر لنا أيضًا: أن بعض الفساد قد اتخذوا الطواف بالبيت موضعًا لمراودة النساء وتحديد المواعيد معهن للفجور. ولا شك أن هؤلاء ومن ذكر من قبلهم من الفساق قد تعرضوا للعقوبة العاجلة في الدنيا مع ما هو مدَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة إن لم يتوبوا من أعمالهم السيئة.