الصفحة 110 من 242

و ثالثا إنه قد صحت أحاديث نبوية صريحة في إثبات صفة الضحك لله تعالى ،و تأبى أي تأويل ، منها قوله عليه الصلاة و السلام: (( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة ، يُقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ) ) (1) . فالحديث صريح في نسبة الضحك لله-على ما يليق به تعالى- ،و لا يصح تأويله و حمله على المجاز، و المثال الذي ضربه القاضي ابن العربي لا تصح مقارنته بالحديث و حمله عليه ، لأن ضحك الأرض معروف و واضح إنه مجاز ، لأنها -أي الأرض- لا تضحك بطبيعتها ، فالمجاز في حقها هو الصحيح ؛ لكن هذا المثال -أي مثال الأرض- لا ينطبق على الإنسان ، فإذا قلنا: ضحك الإنسان ، فهذا ليس مجازا ، لأن الإنسان من طبيعته إنه يضحك . و لله المثل الأعلى ، فصفة الضحك التي نص عليها الشرع ، هي صفة تليق به تعالى ، فهو ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته .

و أما تأويله للصفة الثانية-أي النزول- فقال إن حديث: (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ) )، يحتمل أمرين ، أحدهما النزول بمعنى الحركة و الانتقال ،و هذا محال في حقه تعالى ، و الثاني بمعنى نزول بركته و إحسانه ،و هذا هو الصحيح حيث عبّر الله عن بركته و إحسانه بالنزول (2) .

و ردا عليه أقول: أولا إنه وقع في خطأ منهجي كبير ، عندما قاس نزول الخالق بنزول المخلوق ، بدعوى إن الحركة نقص و لا تليق به تعالى ، و نسي إن كيفية نزول الله تعالى لا يعلمها إلا هو ، فهو سبحانه ليس كمثله شيء ، مما يعني إن اختلاف الذات يستلزم حتما اختلاف الصفات ، فصفاته تعالى لا تشبه صفات مخلوقاته .

(1) البخاري: الصحيح ، حققه ديب البغا، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987، ج 3 ص: 1040، ج 6 ص: 2705 . و مسلم: الصحيح ،حققه فؤاد عبد الباقي، بيروت ، دار احياء التراث العربي، دد ت ، ج 1 ص: 166، 177 .

(2) العواصم من القواصم ، ج 2 ص: 293 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت