الصفحة 111 من 242

و ثانيا إنه عندما قاس الله تعالى بمخلوقاته ، نفى عنه صفة هي صفة كمال عند الإنسان ، و هي الحركة ، و وصفه بصفة هي صفة نقص عند الإنسان ،و هي عدم الحركة ، أي صفة الجمود .

و ثالثا إن الحديث النبوي واضح بيّن في إثبات صفة النزول لله تعالى ، في قوله (( ينزل ربنا ... ) )، فالله تعالى هو الذي ينزل بكيفية لا يعلمها إلا هو ، و ليس فيه-أي الحديث- ما يُشير من قريب و لا من بعيد إلى نزول رحمته و بركته و إحسانه ، فالحديث لا يحتاج إلى تأويل ، و من تأوّله فهو المُطالب بالدليل الشرعي على ذلك ، و إلا فيكون فعله تحريفا للنص و تعطيلا له .

و رابعا إن تأويله للنزول بالرحمة و الإحسان و البركة ، ليس حلا لمشكلة التشبيه التي فرّ منها ، فهل رحمته و إحسانه تعالى ، كإحسان البشر و رحمتهم ؟ فإن قال: لا ، قيل له: كذلك نزوله تعالى ، لا يُشبه نزول مخلوقاته ؛ و إن قال: نعم ، قيل له: وقعت في التشبيه الذي فررت منه . كما أنه نسي إن تأويله للنزول بالرحمة و الإحسان ، يُخالف مذهبه ، لأن الأشعرية المتأخرة -التي ينتمي إليها- لا تُثبت إلا سبع صفات تسميها عقلية ، ليس من بينها صفة الرحمة و لا الإحسان ، اللتان هما صفتان خبريتان و عقليتان معا .

و أشير هنا إلى إن هناك قلة من علماء الأشعرية كانوا يُؤوّلون صفات الله تعالى ، على طريقة الأشعرية المتأخرة ، ثم تراجعوا عن تأويلها ، منهم: الفقيه أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني (ت438ه) ، و ابنه أبو المعالي إمام الحرمين الجويني (1) ؛ لكن موقفهما هذا من الصفات ، لم يكن له تأثير كبير في مسيرة الأشعرية المتأخرة التي استمرت في تبنيها للتأويل .

(1) الجويني الأب: النصيحة ، ص: 10، 11 .و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 18 . و السبكي: طبقات ، ج5 ص: 191 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت