فهرس الكتاب
و للأشاعرة - في تبنيهم للتأويل و دفاعهم عنه- مبررات يتذرّعون بها ، فيقولون إن في الشرع نصوصا تُوهم النقص في صفات الله تعالى ، كالاستواء ، و النزول ،و المجيء ،و الوجه، و اليدين ،و العينين ، فإثباتها على ظاهرها يُؤدي إلى التشبيه في اعتقادهم (1) .
و نظرتهم هذه ناقصة و خطأ ، لا تعتمد على أساس شرعي ولا عقلي ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء ،و لم يكن له كفؤا أحد ، و هو موصوف بصفات الجلال و العظمة و الإكرام ، و الصفات التي اعترض عليها الأشاعرة هو -أي الله - الذي وصف بها نفسه ، فهي إذن صفات كمال ،و ليست صفات نقص ، و يجب علينا أن ننظر إليها بما يليق به تعالى و يجب له من كمال و عظمة و جلال ،و في إطار نصوص التنزيه ، فنزوله تعالى لا نقيسه بنزول الإنسان ، و إنما نثبته بلا تحديد و لا تكييف و لا تشبيه،و لا تأويل . فنحن إذا نظرنا لتلك الصفات في إطارها الشرعي الكامل ،و أرجعنا المتشابه-إن وُجد- إلى المحكم زال الأشكال المُتوّهم نهائيا بلا تأويل و لا تعطيل .
و أما ما قاله التاج السبكي، من إن التأويل و الإثبات هما مسألتان اجتهاديتان (2) ، فهو قول غير صحيح ، كان عليه أن يذكر لنا دليلا شرعيا يؤيد ما ذهب إليه . لأن المسألة التي أصدر حكمه فيها هي مسألة غيبية ، لا يدركها العقل إدراكا كاملا صحيحا ، لذا فإن القول الفصل فيها للشرع وحده ،و هذا ما يقتضيه النقل و العقل معا .
و للكاتب حسن السقاف رأي مفاده إن التأويل ليس خاصا بالأشاعرة وحدهم ،و إنما هو موجود في القرآن و السنة ،و مارسه بعض الصحابة و السلف الصالح (3) . فهل ما قاله صحيح ؟ .
(1) ابن خلدون: المقدمة ، ص: 194 ، 230، 367، 376 .
(2) طبقات السبكي، ج 5 ص: 192 .
(3) ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه ، حققه حسن السقاف ، الأردن ، دار الإمام النووي، 1992 ، مقدمة المحقق ، ص: 8 و ما بعدها .