فهرس الكتاب
و حتى الآية التي قال إن سفيان الثوري أوّلها ، لو ذكرها كاملة و تدبّرها لوجد فيها المقصود من المعية ، فهي تقول: (( يعلم ما يلج في الأرض ،و ما يخرج منها ، و ما ينزل من السماء ،و ما يعرج فيها ، و هو معكم أينما كنتم ، و الله بما تعملون بصير ) )-سورة الحديد/4- فالآية صرّحت إن الله مع خلقه بعلمه و بصره ،و ليس معهم بذاته ، لأنه تعالى بائن عن خلقه كما سبق أن ذكرنا ذلك . فتفسير سفيان الثوري للمعية بالعلم ، هو تفسير صحيح ، ليس بتأويل على طريقة المتكلمين ،و لا على طريقة حسن السقاف ، و إنما هو تفسير للقرآن بالقرآن .
و سادسا إنه-أي السقاف- ذكر روايتين عن الإمام مالك أوّل فيهما حديث النزول ، بنزول أمره تعالى (1) . فهل صحّ ذلك عن مالك ؟ . كلا لم يصح ذلك عنه ، فإن الرواية الأولى في إسنادها كاتب الإمام مالك حبيب بن أبي حبيب ، و هو كذاب و وضاع للحديث باتفاق أهل الجرح و التعديل . و الثانية في إسنادها مجهول لا يُعرف حاله ؛ و حتى أصحاب مالك لم يتفقوا على نقل ذلك عنه ، و المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئا من ذلك (2) . هذا فضلا على إنه ثبت إن مالكا كان على منهاج السلف في إثبات صفات الله تعالى ، بلا تشبيه ولا تحديد ، و لا تأويل و لا تعطيل (3) .
(1) نفسه ، ص: 18 .
(2) ابن القيم: مختصر الصواعق ، ص: 617 .
(3) انظر: الخلال: السنة ، ج 1 ص: 259 . ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 5 ص: 39 .و درء التعارض، ج 2 ص: 108-109 .و الذهبي: السير، ج 8 ص: 402 .