فهرس الكتاب
و هذا القول ليس تأويلا أيضا بالمعنى الاصطلاحي عند المتكلمين ، لأن ما ذهب إليه أحمد هو وجه مُحتمل راجح ، شرح به قول ابن مسعود ، فبما إن القرآن كلام الله غير مخلوق، فهذا يعني إن معنى قول ابن مسعود هو إنه ليس في الموجودات المخلوقة ، أعظم من آية الكرسي لأنها غير مخلوقة ، بحكم إنها كلام الله ، و تلك الموجودات مخلوقة ، فهو كما يُقال: الله أكبر من كل شيء ،و إن كان ذلك الكبير مخلوقا ، و الله تعالى ليس بمخلوق . فوجه المقارنة هنا ليس في الخلق ، و إنما في العظمة ، و لهذا قال ابن مسعود: ما خلق الله من سماء ،و لا أرض ، ولم يذكر خلق القرآن من بين تلك المخلوقات .و في هذا قال سفيان بن عُيينة: ما خلق الله من شيء ، إلا و آية الكرسي أعظم مما خلق . لأن القرآن ليس بمخلوق،و كلامه تعالى أعظم من خلقه (1) .
و أشير هنا إلى أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي ذكر إنه سمع بعض الحنابلة يقول إن الإمام أحمد لم يُؤوّل إلا ثلاثة أحاديث ، هي: (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) )،و (( قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ) )،و (( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ) ) (2) . لكن رواية هذا الحنبلي غير ثابتة ، قال عنها ابن تيمية إنها كذب على أحمد ، لم ينقلها أحد عنه بإسناد ،و لا يُعرف أحد من أصحابه نقلها عنه ، و هذا الحنبلي الذي روى عنه أبو حامد الغزالي مجهول ، لا (( يُعرف علمه بما قال ،و لا صدقه فيما قال ) ) (3) .
(1) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ، ج 5ص: 175. و البخاري: خلق أفعال العباد ، ص: 33، 34 .
(2) الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 179 ، و ما بعدها . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج5 ص: 198 .
(3) مجموع الفتاوى ، ج 5 ص: 398 .