فهرس الكتاب
و ثامنا إن السقاف ذكر إن أبا بكر البيهقي روى إن البخاري أوّل حديث الضحك ، بمعنى الرحمة (1) . و هذا القول غير ثابت عن البخاري، فقد رواه البيهقي بلا إسناد، و قال عنه ابن حجر العسقلاني، إنه لم يعثر عليه (2) . و هذا التأويل المزعوم يخالف الأحاديث الصحيحة التي صرّحت بصفة الضحك بلا التباس ،و قد ذكرنا طرفا منها فيما سبق ذكره . كما إن تفسير الضحك بالرحمة لا يحل الإشكال ، فهل رحمته تعالى كرحمة الإنسان ، أم لا ؟ فإن قيل مثلها ، كان هذا تشبيها ،و إن قيل ليس مثلها ، قيل هذا نفسه ينطبق على صفة الضحك ، فهي صفة لله تعالى تليق به ، تختلف تماما عن صفة الضحك عند الإنسان ، و من ثم فلا داعي لتأويلها أصلا .
و تاسعا إنه - أي السقاف- قال إن الترمذي صاحب السنن أوّل كلمة في حديث رؤية الله يوم القيامة ، و هي (( فيُعرّفهم نفسه ) )، فقال الترمذي إن معناها (( يتجلى لهم ) ) (3) . و هذا أيضا ليس تأويلا اصطلاحيا ، فإن الرجل -أي الترمذي- فسّر الحديث بمعنى الشرح و التبيين ، لا بمعنى التأويل الاصطلاحي ، لأن كلمة التجلي مُتضمّنة في التعريف ، فالله تعالى عندما يتجلى لعباده يكون قد عرّفهم بنفسه ، فالتجلي من التعريف . لذا فإن الترمذي لم يعد ما قاله تأويلا بالمعنى الاصطلاحي، فوجدناه يقول-بعدما ذكر ذلك- إن أحاديث الصفات تُروى كما جاءت ،و نُؤمن بها و لا يُقال كيف،و لا تُفسّر ،و لا تُتوهم (4) .
(1) ابن الجوزي: المصدر السابق ، ص: 14 .
(2) ابن حجر:فتح الباري، ج 8 ص: 632 .و ناصر العلوان: إتحاف أهل الأثر ، اتحاف أهل الفضل و الانصاف ، الرياض، دار الصميعي، 1990 ، ص: 82 .
(3) ابن الجوزي: المصدر السابق ، ص: 18 .
(4) الترمذي: السنن ، ج4 ص: 691 ، رقم الحديث 4557 .