فهرس الكتاب
و أما القضية الثانية -من القضايا العقيدية للأزمة- فهي قضية الأفعال الاختيارية المتعلقة بذات الله تعالى ، فنفاها عبد الله بن كلاب ،و أبو الحسن الأشعري، و الأشاعرة من بعده ، و قالوا أن أفعاله تعالى لا تتعلق بمشيئته و قدرته ، فهو لا يقدر -مثلا- على التكلّم و مخاطبة مخلوقاته ، لذا قالوا إن القرآن ليس كلامه الله حقيقة ، و إنما هو حكاية و عبارة عنه ، و بسبب ذلك تكلّم فيهم الناس ،و نسبوهم إلى بقايا البدعة و الاعتزال (1) .
و هم سموا الأفعال الاختيارية حوادث ، و قالوا إنه لو جاز قيامها بذات الله لم يخل منها ، و ما لا يخلو من الحوادث ، فهو حادث ، فنفوها عنه كلية هروبا من ذلك الذي ادعوه (2) . و زعمهم هذا ينطوي على خطأ منهجي كبير ، هو إنهم سوّوا بين الخالق و المخلوق ، و قاسوا ما يجري في المخلوق الحادث بالخالق الأزلي ، و ألحقوا به ما يجري بالأول ، و هذا زعم باطل من أساسه ، فالله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و قد سمى ما يقوم به بمشيئته أفعالا ، في قوله تعالى: (( فعّال لما يريد ) )-سورة البروج/16- ،و هم غيّروها و سموها حوادث ، و تكلّموا في أمور غيبية لا يمكن للعقل البشري إدراكها و لا تصوّرها ، و ليس له فيها كلمة ، إلا ما يقوله الشرع فيها ؛ فأوصلهم انحرافهم المنهجي إلى وصف الله تعالى بالعجز، و وصف الإنسان بحرية الاختيار ، و هذا -بلا شك- زعم باطل لا يقوله إنسان عاقل يحترم عقله الفطري .
(1) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ، ج 2 ص: 18 .
(2) ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ص: 99 . و ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 312 .