فهرس الكتاب
و مع ذلك فقد تأثر بهم بعض أهل الحديث ، و قالوا بمقالتهم في نفي قيام الصفات الاختيارية ، بذات الله تعالى ، منهم: أبو سليمان الخطابي البستي (ت 388ه) ،و أبو الحسن التميمي ،و أبو الوفاء بن عقيل ، و القاضي أبو يعلى الفراء الذي كان متذبذبا بين نفيها و إثباتها (1) .
لكن عامة أهل الحديث عارضوا أولئك و هؤلاء ، و ردوا عليهم و أثبتوا قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، منهم: أبو بكر بن عبد العزيز الحنبلي، و أبو عبد الله العكبري ،و أبو عبد الله بن مندة ، و أبو نصر السجزي، و عبد الله الأنصاري الهروي ،و يحيى بن عمار السجستاني (2) .
كانت هذه القضية من القضايا العقيدية الحادة التي شغلت العقل المسلم ، بتأثير من الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، و إنه من المؤسف جدا أن يختلف فيها السنيون ، و يقولون فيها كلاما متناقضا ، و قد قال فيها الشرع الحكيم قوله الفصل ، بقوله: (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) )-سورة يس/82- ، و (( ربك يخلق ما يشاء و يختار ) )-سورة القصص/68-، و (( فعال لما يريد ) )-سورة البروج/16 ، فتركت طائفة منهم كلام الله وراء ظهرها ،و خاضت في تلك القضية بظنونها و أوهامها ، و خيالاتها و وجدانها ، بلا نقل صحيح ،و لا عقل صريح ،و لا علم صحيح ، و فيها قال ابن القيم الجوزية: إنهم خرجوا عن المعقول الصريح ، و كابروا أبين مكابرة ، و التزموا لأجله تعطيل الحي الفعال عن كل فعل ، و التزموا لأجله حصول مفعول بلا فعل ، و مخلوق بلا خلق ، فإن الفعل عندهم عين المفعول ، و الخلق نفس المخلوق ، و هذا مكابرة لصريح المعقول (3) .
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 19 .
(2) نفس المصدر، ج 5 ص: 19 .
(3) الصواعق المرسلة ، ج 2 ص: 26 .