فهرس الكتاب
و القضية الثالثة: قضية كلام الله تعالى ، و هي مرتبطة بمسألة الأفعال الاختيارية ، فإذا كان الله تعالى لا يتصف بها ، فهذا يعني إن القرآن ليس كلامه حقيقة ، و إذا كان يتصف بها ، فالقرآن كلامه حقيقة ، و قد أثارت هذه القضية جدلا كبيرا بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فقد كان السلف الأول يقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ و إليه يعود ، ثم لما ظهر ابن كلاب استحدث قولا ثالثا بين أهل السنة و المعتزلة ، فزعم إن القرآن ليس كلام الله حقيقة ، و إنما هو حكاية عنه ، ثم انتشرت مقالته بين طائفة من المتكلمين ، إلى إن تبناها أبو الحسن الأشعري و أصحابه الأوائل ، و زعموا إن كلام الله هو معنى قائم بالنفس ، إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا ،و إن عُبر عنه بالعبرية كان توراة ،و إن عُبر عنه بالسريانية كان إنجيلا (1) .
و قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني الأشعري (ت403 ه) ، إن كلام الله هو (( الكلام القديم القائم بالنفس شيء واحد لا يختلف و لا يتغير ) )،و هو ليس بصوت و لا حرف ، وقد جعل الله على كلامه النفسي علامات تدل عليه ،و كل رسول يُفهم قومه كلام الله بلغته فموسى عليه السلام فهّم قومه بالعبرية ،و محمد -صلى الله عليه وسلم- فهّم قومه بالعربية (2) .
(1) انظر: ابو المظفر الإسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 167 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 12 ص: 557 . و أبن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوي، حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت، المكتب الإسلامي ، ص: 180 . ابن حجر: الفتح ، ج 13 ص: 455 .
(2) الباقلاني: الإنصاف ص: 89 ، 106 ، 107 .