فهرس الكتاب
وبما أن كلام الله عند الباقلاني قائم بنفسه لا يختلف و لا يتغير ، يستلزم أن يكون كلامه المنزل على رسله ليس هو كلامه حقيقة ؛ لأن كلامه قائم به ، وإنما هو علامات و عبارات عنه ،، و بما إنه لا يتغير فكل الكتب المنزلة فيها كلام واحد بلغات مختلفة ، فقوله تعالى: (( تبت يدا أبي لهب و تب ) )-سورة المسد/ 1- و (( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) )-سورة الأحزاب/37 - فهو كلام واحد ، و هو نفسه موجود في الكتب السابقة . و هذا من الكلام الباطل ، و من الغرائب المضحكات .
و نفس الكلام قرره أبو حامد الغزالي ، فقال إن كلام الله أزلي قديم ، قائم بذاته تعالى ، و إن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب ، و هو مع ذلك قديم (( قائم بذات الله تعالى ، لا يقبل الانفصال و الافتراق بالانتقال إلى القلوب و الأوراق ) ) (1) . و قوله هذا فيه تناقض و لا يستقيم تصوّره في العقل ، فإذا كان القرآن قائم بالنفس لا يقبل الانفصال و الافتراق بالانتقال إلى القلوب و الأوراق ، فلا يصح أن يُقال إنه مكتوب في المصاحف ،و محفوظ في الصدور !! فهذا الكلام مجرد لعب بالألفاظ ، و تمويه و تدليس على الناس .
و قال المتكلم الأشعري أبو المظفرالإسفراييني (ت 471ه ) إن كلام الله قديم واحد ، أمر و نهي ، و خبر و استخبار على معنى التقدير ، و إن كل الكتب المنزلة على اختلاف لغاتها كلها عبارات عن كلام الله القديم ، تدل على معنى كتاب الله (2) . و كلامه هذا هو ترديد لما قاله الباقلاني و الغزالي.
(1) الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 156-157 .
(2) الاسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 167 .