فهرس الكتاب
وأما المتكلم أبو الفتح الشهرستاني الأشعري (ت548 ه) فكرر ما ذكره الباقلاني دون تفصيل ، و أكد إن كلامه تعالى عند الأشاعرة هو معنى قائم بالنفس ، و العبارات و الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة هي دلالات على الكلام الأزلي ، و هي مخلوقة محدثة و المدلول قديم أزلي (1) .و هذا يعني إن سور القرآن و حروفه و آياته دلالات محدثة ،و ليست كلام الله على الحقيقة ، لأن كلامه أزلي قائم به ، لكنه لم يقل لنا من الذي تكلم بالألفاظ و العبارات التي هي دلالات على المدلول الأزلي ؟ ، و لم يقل لنا كذلك من أين جاء بذلك التقسيم لكلام الله هل له دليل من الكتاب و السنة الصحيحة ، أم هي تخمينات ورجم بالغيب ؟
و ذهب الشيخ العز بن عبد السلام الشافعي الأشعري (ت660 ه) إلى القول بأن كلام الله قديم أزلي قائم بذاته لا يشبه كلام البشر ،،و هو ليس بحرف و لا صوت . ومع ذلك فإن كلامه تعالى مكتوب في المصاحف و محفوظ في الصدور ، و مقروء بالألسنة (2) . و كلامه هذا فيه تناقض و مغالطة ، ولا يختلف في حقيقته عما قاله الباقلاني و الغزالي و الشهرستاني ، فبما إن كلامه تعالى قديم أزلي قائم بذاته ، وليس بحرف و لا صوت ، فهو إذًا لا يصدر عنه ، ولا يكتب بالحروف ،،و هذا يستلزم إن القرآن الكريم بحروفه و سوره و آياته ليس من كلام الله ، لأنه تعالى-حسب العز بن عبد السلام- لا يتكلم بحرف و لا صوت ، ثم نجده يقول إن كلامه تعالى مكتوب في المصاحف و محفوظ في الصدور ، و مقروء بالألسنة ؛ فكيف يكون القرآن كلامه ، و حروفه ليست كلامه ، لأنه لا يتكلم بحرف و لا صوت ؟ ! . و يلاحظ عليه كذلك إنه لا يفرق بين الكلام كصفة أزلية ، وبين تعلقها بمشيئته تعالى في التكلم ، وفق ما شاء ، و بما شاء ،و كيفما شاء .
(1) الشهرستاني: الملل و النحل ، ج 1 ص: 109 .
(2) الداودي: طبقات المفسرين ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، دت ، ج 1 ص: 227 ، 326 .