الصفحة 129 من 242

وأما تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري (ت771 ه) فكرر ما قاله سابقوه مع التلاعب بالألفاظ ، فقرر إن كلام الله قديم غير مخلوق ،و لا يزال قائما و لا يجوز أن ينفصل عن ذاته . ثم قال إن القرآن مكتوب على المصاحف حقيقة (1) .و ليس أمام السبكي فيما قاله إلا حلاّن ، إما أن يكون القرآن بحروفه و معانيه هو كلام الله ، وهذا يستلزم إنه انفصل عنه ، منه بدأ و إليه يعود ، وهذا قد أنكره السبكي .و إما أن يكون كلامه تعالى قائما بذاته لا ينفصل عنه ، وهذا يستلزم إن المكتوب في المصاحف ليس هو كلامه على الحقيقة ، لأن كلامه-عند السبكي- واحد لا يتجزأ ، وإنما هو حكاية و عبارة عنه تعالى ، وهذا هو الذي تقوله الأشعرية ، و أراده السبكي و لم يصرح به .

و مع إن الغالبية العظمى من الأشاعرة قالوا بذلك في موقفهم من كلام الله ، فإن أحد أعيانهم خالفهم و قال بمذهب أهل الحديث ، و هو الفقيه عبد الله بن يوسف الجويني (ت 438ه) - والد إمام الحرمين- فذكر إن شيوخه الأشاعرة لم يفهموا من كلام الله ، إلا ما فهموه من كلام المخلوقين ، فقالوا إن القول بالحرف يعني القول بالجوارح و اللهوات ،و القول بالصوت يعني القول بالحلق و الحنجرة ، ثم قال إن كلام هؤلاء هو تخبيط وقعوا فيه ، كما وقعوا في مسألة الصفات ، و ذلك إنهم فهموا من كلام الله ما فهموا من كلام البشر ؛ ثم قرر إن الله تعالى تكلم بحرف و صوت ، بما يليق به ،و لا يحتاج إلى جوارح و آلات ، لأنه قادر ، و القادر لا يحتاج إلى ذلك ، و بهذا ينشرح الصدر،و يستريح الإنسان، من تعسّف و تكلّف الأشاعرة ، في قولهم إن القرآن هو عبارة عن كلام الله ، ثم قرر إن القارئ للقرآن الكريم يقرأ كلام الله حقيقة ، لأن الكلام يُنسب لمن قاله مبتدئا ، لا لمن قاله مؤديا مبلّغا (2) .

(1) السبكي: طبقات الشافعية الكبري ج 3 ص: 417 .

(2) الجويني الأب: النصيحة ، ص: 27-28 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت