الصفحة 134 من 242

و سادسهم الحافظ المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) انتقد أبا الحسن الأشعري ،و قال إنه جاء بمقالة خبّطت عقائد الناس ، فادعى إن كلام الله هو صفة قائمة بذاته تعالى ، ما نزل و ما هو مما يُسمع ، فأوجبت دعواه إن ما عندنا مخلوق . وذكر أيضا إن جماعة من وعاظ الأشاعرة ببغداد كانوا يقولون ليس لله في الأرض كلام ، و ليس في المصحف إلا الورق .و يقولون أيضا: أين الحروفية الذين يزعمون إن القرآن حرف و صوت ، و إنما هو عبارة جبريل ، فأدى ذلك إلى أن هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام ،و صار أحدهم يقول: القرآن شيء يجيء به جبريل في كيس (1) .

و آخرهم -أي السابع- الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620ه) انتقد الأشاعرة انتقادا لاذعا ، في موقفهم من كلام الله ، و نسبهم إلى التناقض حين قالوا أن موسى -عليه السلام- سمع كلام الله من الله ، ثم قالوا إن كلامه ليس بصوت .و قالوا أيضا: القرآن مكتوب في المصاحف ، لكن ليس فيها-أي المصاحف- إلا الحبر و الورق . ثم قال إن مقالتهم في القرآن هي خزي و مكابرة ، و تُوجب أن يكون الأمر هو النهي، و الإثبات هو النفي، و قصة نوح هي قصة هود و لوط ، و أحد الضدين هو الآخر، و هذا قول من لا يستحي ،و يُشبه قول السفسطائية . و قال أيضا إن مقالتهم في القرآن لا دليل لهم عليها من النقل و لا من العقل و لا من الإجماع ، و ينبغي عليهم أن يقولوا: قال محمد ،و أو قال جبريل، و لا يقولون: قال الله تعالى ، و قولهم هذا ينتهي إلى موافقة المعتزلة في قولهم بخلق القرآن ، لكنهم يخفون ذلك عن الناس لكي لا يعلمون بهم ، فارتكبوا (( مكابرة العيان ،و جحد الحقائق ،و مخالفة الإجماع ، و نبذ الكتاب و السنة وراء ظهورهم ، و القول بشيء لم يقل به قبلهم مسلم و لا كافر ) ) (2) .

(1) ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص: 181، 183 . و المنتظم ، ج 6 ص: 332 .

(2) الموفق بن قدامة: مناظرة في القرآن ، ص: 21-22، 38، 57 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت