الصفحة 137 من 242

و ثالثا إن قول الكلابية و الأشعرية يستلزم إنكار القرآن جملة و تفصيلا ، و ذلك إنه إذا كان الله لا يتكلم و لا يقدر على الكلام ، و كلامه لا يتعدد و لا ينفصل عنه ، فهذا يستلزم بالضرورة إن الذي بين أيدينا ليس كلام الله ، و هذا يخالف أمرا معروفا من الدين بالضرورة إن القرآن الذي في المصحف هو كلام الله حقيقة معنى و لفظا . لكن المؤسف حقا إن طائفة من أهل السنة أنكرت ذلك و زعمت إن الله تعالى لا يتكلّم ، فكانت سببا في ظهور الأزمة العقيدية التي عصفت بأهل السنة منذ القرن الرابع الهجري و ما بعده ،و ما تزال قائمة إلى يومنا هذا !! .

و رابعا إن قول الأشاعرة في كلام الله و ما ترتب عنه ، من حكاية الكلام النفسي و إنكار الحرف و الصوت ، هو رجم بالغيب ،و قول على الله بلا علم ، ليس لهم فيه سند من نقل و لا عقل ، إلا اتباع الظن ،و ما يلزمهم به مذهبهم من إلزامات .

و القضية العقيدية الرابعة-التي أثارتها الأزمة- هي قضية الحرف و الصوت ، التي هي امتداد لمسألتي الأفعال الاختيارية، و كلام الله تعالى ، و هي أيضا أدخلت أهل السنة في نزاع عقدي حاد ، فقال أهل الحديث إن الله تعالى تكلّم بحرف و صوت ، و أنكر الأشاعرة ذلك ، بحكم إن الله عندهم لا يتكلّم و القرآن ليس كلامه حقيقة .

فمن أقوال الأشاعرة و مواقفهم من تلك المسألة ، ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني (ت403ه) ، فإنه نفى تكلّم الله بحرف عندما قرر إن الحروف و الأصوات في تلاوة القرآن هي من صفات القارئ ،و ليست من كلام الله ،و قال إنه لا يحوز لقارئ القرآن أن يقول إني أتكلّم بكلام الله (1) .

(1) الباقلاني: الإنصاف ، ص: 71، 89 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت