فهرس الكتاب
و قوله هذا مجمل ،و فيه تمويه و تلاعب بالألفاظ ، و ذلك إن الذي لا شك فيه هو إن الحروف المنطوقة ،و المكتوب بها المصحف الشريف، هي قطعا من كلام الله تعالى ،و ليست من كلام القارئ ، لأنها منفصلة عنه تماما ، و هي موجودة في المصحف قبل القراءة و في أثنائها و بعدها ، . كما إنه يجب أن نفرّق بين الكلام المتلو-أي المقروء- الذي هو كلام الله تعالى ،و بين التلاوة التي هي قراءة القارئ و صوته ، فهي من القارئ بلا شك ، و هذا أمر مُشاهد يُدركه كل إنسان بداهة . و أما قوله إنه لا يجوز للقارئ أن يقول إنه يتكلم بكلام الله ، فهو خطأ فاحش ، أوقعه فيه نفيه لقيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و قد سبق التطرق لذلك ؛ و إذا لم يقل المسلم إن القرآن كلام الله ، فماذا يقول يا ترى؟ ! فهل يقول إنه كلام الملائكة ، أم كلام الجن ، أم كلام البشر ؟ ؟ !!
ثم زعم الباقلاني إن الدليل الشرعي على ما قاله ، هو حديث مفاده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام للصلاة ليلا مرة يُخفض القراءة،و مرة يرفعها ،و في حديث آخر إن قراءته كانت مفسّرة حرفا حرفا ، و موضع الدليل هنا هو إن القراءة أُضيفت للرسول بالرفع و الخفض (1) .
و استدلاله هذا غير صحيح أيضا ،و فيه تلبيس واضح ، لأن الحديثين بخصان طريقة القراءة و التلاوة ، و لا يخصان المحتوى -أي المقروء المتلو- و لا شك إن القراءة-التلاوة- هي صوت العبد ، و أما المقروء المتكوّن من الحروف و المعاني ، فهو كلام الله تعالى منفصل عن الإنسان تماما ، حروفا و معاني و أحكاما . و يُلاحظ عليه -أي الباقلاني- إنه نسي أو تناسى النصوص الشرعية الكثيرة - سبق ذكر بعضها- التي نصت صراحة على إن القرآن كلام الله تعالى ، و ذهب إلى نصوص أخرى لوى أعناقها ، و أوّلها كما يريد خدمة لمذهبه .
(1) نفسه ، ص: 89 .