الصفحة 140 من 242

و القول الثاني هو لأبي حامد الغزالي (ت 505ه) أنكر فيه تكلّم الله بحرف و صوت ،و قال إن موسى-عليه السلام- سمع كلام الله بلا حرف و لا صوت (1) . و قوله هذا هو خوض في غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، و ليس له فيه دليل من النقل و لا من العقل ، إلا إتباع الظن ، فالله سبحانه أخبرنا إنه كلّم موسى-عليه السلام- تكليما ، و ناداه من جانب الطور ، و لم يقل لنا إنه غيّر لموسى طبيعته البشرية ليسمع منه ، و لم يقل لنا كيف أسمع لموسى كلامه ، مما يُشير إلى إن موسى -عليه السلام - سمع كلاما فيه حرف و صوت ، نحن لا نعلم كيفية ذلك ، بحكم إن الله تعالى ليس كمثله شيء و فعال لما يريد ، و أن موسى بشر لا يسمع إلا بحرف و صوت . و قبل موسى-عليه السلام- كان الله تعالى قد أخبرنا إنه كلّم الملائكة و آدم و الشيطان ، و إنه تعالى سيُكلّم عباده يوم القيامة ، فهو تعالى يُكلّم من شاء، و متى شاء ،و كيفما يشاء .

و القول الثالث للقاضي أبي بكر بن العربي (ت543ه) ذكر فيه أن الحنابلة و أهل الحديث - سماهم المشبهة- قالوا بالحرف و الصوت ، و نسب الحنابلة ذلك لإمامهم أحمد بن حنبل ، و قالوا أيضا بقدم الحرف و الصوت ، فجاءوا بما لا يُعقل ،و لا هو في حد النظر و المجادلة , ثم قال أن هؤلاء المشبّهة -أي أصحاب الحديث- اعتمدوا على ظواهر شرعية غير صحيحة ، منها حديث البخاري الذي فيه: (( يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، فيناديهم بصوت ... ) )، و هذا حديث مقطوع -أي منقطع- ، و هو يحتمل أن الصوت قد لا يعود إلى الله تعالى ،و فيه: (( يُناديهم و ليس فيه يتكلم بصوت ، ثم يقول ابن العربي لهؤلاء: فَلِمَ تركتم الظاهر و جعلتم الكلام و الصوت واحد ،و هما قد وردا في موطنيين ؟ و بين الكلام و النداء ما بين السماء و الأرض ) ) (2) .

(1) الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج 1 ص: 156-157 .

(2) ابن العربي: العواصم ، ج2 ص: 283، 294 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت