فهرس الكتاب
و ثالثا بما إنه ثبت في الشرع أن الله تعالى كلّم آدم و إبراهيم و موسى-عليهم السلام- ،و إنه سيكلم عباده يوم القيامة ، فهذا لا يمنع من إنه تعالى كلّمهم بحرف و صوت بحكم أن الذين كلمهم بشر ،و لا يفهمون الكلام إلا بحرف و صوت ، فهو تعالى فعال لما يريد يتكلم بما شاء، و متى شاء، و كيفما شاء، فتكلّمه تعالى بصوت و حرف لا علاقة له بحكاية حلول الحوادث المزعومة ، فهي خاصة بالمخلوقات لا بالخالق ، فهو تعالى متصف بكل صفات الكمال الأزلية و مُنزه عن النقائص ، و لا تسمى صفاته حوادث .
و القول الرابع هو للمتكلم أبي المظفرالإسفراييني (ت 471ه) و مفاده أن كلام الله تعالى ليس بحرف و لا بصوت ، لأن ذلك يتضمن جواز التقدم و التأخر ، و هو مستحيل في حقه تعالى (1) . و كلامه هذا أقامه على منهج خطأ ، هو قياس الخالق بالمخلوق ، و بمعنى آخر تشبيه الخالق بالمخلوق ، عندما نفى الحرف و الصوت عن الله تعالى ، بدعوى أن ذلك يتضمن جواز التقدم و التأخر في كلامه تعالى ، و هذا زعم باطل من أساسه ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و من ثم فكلامه بحرف و صوت يختلف تماما عن حروف و أصوات المخلوقين ، و هذا أمر مُطرد في كل الصفات ، فنحن - مثلا - عندما أثبتنا صفتي العلم و السمع لله لم نقل أن العلم مرتبط بالمخ و الأعصاب و الحواس ، و أن السمع مرتبط بالأذن و مكوناتها العضوية و العصبية ،و إنما قلنا أن ذلك خاص بالإنسان الذي لا يستطيع أن يعلم و يسمع إلا بتلك الأجهزة و الأعضاء ، أما الله تعالى فله المثل الأعلى فهو الخالق الأزلي العظيم الذي له الأسماء الحسنى ،و لم يلد و لم يُولد ، و ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته. فكذلك إثباتنا للحرف و الصوت في كلامه تعالى ، فهو يختلف كلية عن حروف و أصوات البشر، و لا يجمعها إلا في الاسم لا غير .
(1) أبو المظفّر الاسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 150 .