الصفحة 145 من 242

و أما أهل الحديث فهم أيضا كانت لهم أقوال و مواقف من مسألة الصوت و الحرف ، أثبتوا فيها الحرف و الصوت ،و استنكروا على الأشاعرة نفيهم لهما ، فمن ذلك أولا ما قاله شيخ الشافعية أبو حامد الإسفراييني (ت 406ه) ، فإنه أعلن أمام الناس إن مذهبه في القرآن يخالف مذهب أبي بكر الباقلاني الأشعري في كلام الله ، و نص على أن مذهبه هو مذهب الشافعي و فقهاء الأمصار ، من أن القرآن كلام الله حقيقة ، و كل حرف منه كالباء و التاء ، كله كلام الله (1) .

و القول الثاني للحافظ أبي نصر السجزي (ت 444ه) توسع فيه في الرد على الأشاعرة في موقفهم من كلام الله و الحرف و الصوت ، فمن ذلك إنه قال إن إنكار الأشعري للحرف و الصوت هو سخف و تلاعب بالألفاظ ، سببه التحيّر و قلة الحياء ، لأنه أقر إن القرآن هو الذي بين أيدينا ، ثم هو من جهة أخرى يقول إن الحرف و الصوت لا مدخل لهما في كلام الله تعالى ، رغم إن القرآن شاهد بين أيدينا إنه مُكوّن من حروف . ثم ذكر السجزي إن الأشعري أظهر مخالفة المعتزلة في مسألة الكلام ، لكنه أثبت ما لا يُعقل ،و وافقهم في أصل مقالتهم في نفي الصفات و القول بخلق القرآن (2) .

و معنى كلامه إن المعتزلة نفوا الصفات ، و الأشعري أثبتها و نفى قيامها بذات الله تعالى ، فعطّلها عن فعلها و أصبح هو و المعتزلة متقاربين جدا .و هم قالوا بخلق القرآن ،و هو نفى خلقه و أنكر أن يكون القرآن كلام الله حقيقة ، و قال إنه حكاية و عبارة عنه ، و بما إنه ليس بكلام لله فهو إما كلام جبريل -عليه السلام- ،و إما كلام محمد-عليه الصلاة و السلام- و هذا يعني بالضرورة إن القرآن مخلوق ، لأن مخلوقا تكلّم به هو جبريل أو الرسول . و بذلك انتهى قول الأشعري في القرآن إلى مقالة المعتزلة في نفي الصفات و القول بخلق القرآن .

(1) شرح قصيدة ابن القيم ، ج1 ص: 277 . و انظر أيضا التمهيد .

(2) السجزي: رسالة السجزي، ص: 15، 28 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت