الصفحة 150 من 242

و ثالثا إننا إذا نظرنا إلى مسألة الحرف و الصوت بموضوعية دون خلفيات مذهبية متعصبة ، فإننا نجد إن الشرع قد نصّ صراحة على تكلّم الله تعالى بحرف و صوت ، بطريقة لا نعلم كيفيتها ،لأنه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و القرآن الكريم الذي هو كلام الله متكون من حروف و معان ، فهو إذن شاهد مادي ، و دليل دامغ على تكلّم الله بحرف ، فالسور و الآيات هي مجموعة حروف بيّن بها الله تعالى عن كلامه . و القرآن الكريم أخبرنا في مواضع كثيرة إن الله تعالى كلم آدم و موسى و إبراهيم-عليهم السلام- ،و هؤلاء بحكم بشريتهم لا يفهمون إلا إذا كان الكلام مكوّنا من حرف و صوت ، و بما أن الله تعالى لم يُخبرنا إنه غيّر لهم طبيعتهم البشرية ، دلّ ذلك على إنه تعالى خاطبهم بكلام فيه حرف و صوت بطريقة لا نعلم كيفيتها .

و أما القضية العقيدية الأخيرة-أي الخامسة- التي أثارتها الأزمة ، فهي قضية مصدر تلقي معرفة صفات الله تعالى ، فقد كان السلف الأول يتلقى معرفتها من الكتاب و السنة مباشرة ، ثم حدث نزاع بين أهل الحديث و الأشاعرة في مصدر تلقيها ، هل هو النقل ، أم العقل ، أم الوجدان ؟ ،و بمعنى آخر هل مصدر التلقي هو الله تعالى ، أم الإنسان ؟ فأهل الحديث سبق أن ذكرنا مرارا ، إنهم لا يُثبتون من الصفات إلا ما أثبته الشرع ، فهو مصدر التلقي الوحيد عندهم فيما يخص صفات الله تعالى . و أما الأشاعرة فقدموا العقل على النقل في مسألة الصفات ، فنفت الأشعرية المتقدمة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله و أوّلت صفة الكلام ، ثم لما ظهرت الأشعرية المتأخرة زادت على ذلك بتأويل الصفات الخبرية ،و الاكتفاء بإثبات سبع صفات سمتها عقلية ، و قلة منهم -أي الأشاعرة- اتخذت الوجدان مصدرا للتلقي و قدمته على النقل و العقل معا (1) .

(1) انظر مثلا: ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 328 . و الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 104، 154 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت