الصفحة 151 من 242

فمن ذلك أولا ما رواه الحافظ الذهبي من أن الشيخ اللغوي أبا البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي (ت551ه ) قال للشيخ الأمين بن تميم الأشعري: و يحك ، الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف و صوت ؟ قالوا: قال الله كذا ، و قال رسوله-عليه الصلاة و السلام- كذا ، و سرد له الشيخ الآيات و الأحاديث التي تدل على ذلك ، ثم قال له: (( و أنتم إذا قيل لكم ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس ، قلتم: قال الشاعر الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد ) )، ثم قال له: (( إيش هذا الأخطل ، نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله ،و تركتم الكتاب و السنة ) ) (1) .

و هذه الحادثة شاهد تاريخي بيّن على الاختلاف في مصدر التلقي بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فالأولون بنوا قولهم على الشرع ، و الآخرون بنوا موقفهم على قول شاعر نصراني ، فكانت حجة أبي البيان -في رده على ابن تميم- قوية دامغة لا تصمد أمامها دعوى الأشاعرة في اعتمادهم على قول شاعر ، في مسألة غيبية لا يدركها العقل ،و لا يعلمها إلا الله تعالى . و يُؤخذ عليهم أيضا-أي الأشاعرة- إنهم فروا من التشبيه فوقعوا فيه ، لأن مثالهم الذي ضربوه بقول الشاعر ، شبّهوا به كلام الله ،و قاسوه عليه ،و هذا لا يصح نقلا و لا عقلا ، و لا يهم أكان كلام الإنسان في الفؤاد أو في اللسان أو فيهما معا ، لأن النتيجة واحدة و هي قياس كلام الله تعالى بكلام البشر .

و ثانيا ما روُي إن المتكلم ابن فورك الأشعري دخل على السلطان محمود بن سبكتكين (ت421ه) ، فقال له: (( لا يجوز أن يُوصف الله بالفوقية ، لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية ، فمن جاز أن يكون له فوق ، جاز أن يكون له تحت ، فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني ، بل وصف نفسه -أي الله تعالى- فبُهت ابن فورك و سكت ) ) (2) .

(1) الذهبي: العلو للعلي الغفار ، ص: 266 .

(2) الذهبي: السير، ج17 ص: 486 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت