فهرس الكتاب
فلم يُناظروه لأنهم يعلمون مسبقا إن الرجل سيناقشهم ، و يرد عليم ، و يُقيم عليهم الحجة ، انطلاقا من الكتاب و السنة ، و هم غير مستعدين لمناظرته وفق طريقته ، لأن منهجهم مغاير لمنهجه ، بتقديمهم للعقل على النقل في مسألة الصفات ،و هم في موقفهم هذا على خطأ فاحش ، فما كان لمؤمن أن يتقدم على الله و رسوله ، بظنون و أوهام و خيالات سماها عقيلة ،و العقل منها بريء .
و وُجد في الأشاعرة من استبعد العقل كمصدر لمعرفة الصفات ،و قدم عليه المعرفة الباطنية الوجدانية كمصدر مُقدم على النقل و العقل معا ، فمنهم أبو حامد الغزالي ، فإنه قال عن إثبات الصفات و تأويلها ، إن حد الاقتصاد فيها دقيق و غامض، لا (( يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع-أي الشرع- ؛ فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه ،و ما خالف أولوه . فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد-أي الشرع- فلا يستقر له فيها قدم ، ولا يتعين له موقف . و الأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل رحمه الله ) ) (1) .
و يرى ابن تيمية إن مضمون كلام الغزالي إنه لا يُستفاد من الشرع شيء من الأمور العملية ، و إنما يدرك كل إنسان بما يحصل له من المشاهدة و النور ، و هذا-عند ابن تيمية- أصل للإلحاد ، لذا يجب على كل ذي مكاشفة باطنية أن يزنها بالكتاب و السنة ، و إلا دخل في الضلالات ، لأن ما يقع لأهل القلوب فيه صواب و خطأ ، يجب عرضه على نور الوحي (2) .
(1) أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين مج 1 ص: 180 .
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ج 3 ص: 81 .