فهرس الكتاب
وأقول-تعقيبا على الغزالي- إنه ادعى إن الوحي لا يكفي و لا يوصل إلى قرار في مسألة الصفات ، وجعل المرجع فيها إلى ما يدعيه أرباب القلوب من نور و مشاهدة ،و هذا -في اعتقادي- قدح في الشرع خطير ،و تقدم بين يدي الله و رسوله مرفوض ، لأن محصلة دعواه إن الوحي ناقص و لا يكفي وحده ، و أرباب المشاهدة ليسوا في حاجة إليه ؛ و يقدمون عليه أحوالهم و وجدانياتهم . و بذا ينفتح الطريق أمام كل إنسان أن يقول ما يشاء اعتمادا على هواه و وجدانه ، جاعلا الوحي و راء ظهره . ثم ألم يتنبه -أي الغزالي - لخطر ما قاله ، عندما قدم كلامه و إحساساته على كلام الله الحق الذي نحن أمورون باتباعه ؟ ! و كيف يرجو أن يحصل له نور من الله و هو قد أبعد كتابه الذي أنزله نورا لعباده ؟ . و ما موقفه من قوله تعالى: (( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ) )-سورة القصص/50- و (( و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) )-سورة النور/40- و (( و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) )-سورة الأنعام/153- و الذي أوقعه في هذا الانحراف المنهجي هو هروبه من علم الكلام و الفلسفة و ارتماؤه في أحضان التصوف، ظنا منه إنه يوصله إلى اليقين ،و ينتهي به إلى بر الأمان ، على ما حكاه هو عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال (1) ، لكن التصوّف خيّب آماله أيضا ،و اكتشف في آخر حياته إن الشرع هو الوحيد الذي يوُصل إلى سعادة الدنيا و الآخرة ، و ما العقل و الوجدان إلا وسيلتان محدودتان لتحصيل المعرفة الإيمانية القائمة على النقل ، و ليسا مصدرا لها ، فأقبل على دراسة الحديث الشريف و مات و صحيح البخاري على صدره (2) .
(1) انظر ص: 7 ، 14 ، 16 ، 43 .
(2) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ، ج 5 ص: 249 .